إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٢ - فأما السبب الأول و هو حب الإنسان نفسه
مجاز محض،لا حقيقة له و مهما ثبت ذلك انكشف لكل ذي بصيرة ضد ما تخلية ضعفاء العقول و القلوب،من استحالة حب اللّه تعالى تحقيقا،و بان أن التحقيق يقتضي أن لا تحب أحدا غير اللّه تعالى.
فأما السبب الأول: و هو حب الإنسان نفسه
و بقاؤه و كماله،و دوام وجوده،و بغضه لهلاكه،و عدمه،و نقصانه،و قواطع كماله،فهذه جبلة كل حي،و لا يتصور أن ينفك عنها و هذا يقتضي غاية المحبة للّٰه تعالى،فإن من عرف نفسه و عرف ربه عرف قطعا أنه لا وجود له من ذاته،و إنما وجود ذاته،و دوام وجوده،و كمال وجوده من اللّه،و إلى اللّه،و باللّه،فهو المخترع الموجد له،و هو المبقى له،و هو المكمل لوجوده بخلق صفات الكمال،و خلق الأسباب الموصلة إليه،و خلق الهداية إلى استعمال الأسباب،و إلا فالعبد من حيث ذاته لا وجود له من ذاته،بل هو محو محض،و عدم صرف،لو لا فضل اللّه تعالى عليه بالإيجاد،و هو هالك عقيب وجوده،لو لا فضل اللّه عليه بالإبقاء.و هو ناقص بعد الوجود،لو لا فضل اللّه عليه بالتكميل لخلقته و بالجملة فليس في الوجود شيء له بنفسه قوام،إلا القيوم الحي الذي هو قائم بذاته، و كل ما سواه قائم به،فإن أحب العارف ذاته،و وجود ذاته مستفاد من غيره،فبالضرورة يحب المفيد لوجوده،و المديم له إن عرفه خالقا موجدا،و مخترعا مبقيا،و قيوما بنفسه، و مقوما لغيره،فإن كان لا يحبه فهو لجهله بنفسه و بربه،و المحبة ثمرة المعرفة، فتنعدم بانعدامها و تضعف بضعفها،و تقوى بقوتها،و لذلك قال الحسن البصري رحمه اللّه تعالى:من عرف ربه؛أحبه و من عرف الدنيا زهد فيها،و كيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه و لا يحب ربه،الذي به قوام نفسه،و معلوم أن المبتلى بحر الشمس،لما كان يحب الظل فيحب بالضرورة الأشجار التي بها قوام الظل،و كل ما في الوجود بالإضافة إلى قدرة اللّه تعالى فهو كالظل بالإضافة إلى الشجر، و النور بالإضافة إلى الشمس،فإن الكل من آثار قدرته، و وجود الكل تابع لوجوده،كما أن وجود النور تابع للشمس،و وجود الظل تابع للشجر، بل هذا المثال صحيح بالإضافة إلى أوهام العوام،إذ تخيلوا أن النور أثر الشمس،و فائض منها،و موجود بها،و هو خطأ محض،إذ انكشف لأرباب القلوب انكشافا أظهر من مشاهدة الأبصار،أن النور حاصل من قدرة اللّه تعالى؛ اختراعا عند وقوع المقابلة بين الشمس