إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٧ - السبب الثالث أن تكون العلة مزمنة،
فنقول.إن لترك التداوي أسبابا
السبب الأول:أن يكون المريض من المكاشفين.
و قد كوشف بأنه انتهى أجله،و أن الدواء لا ينفعه.و يكون ذلك معلوما عنده تارة برؤيا صادقة،و تارة بحدس و ظن،و تارة بكشف محقق.و يشبه أن يكون ترك الصدّيق رضي اللّه عنه التداوي من هذا السبب، فإنه كان من المكاشفين فإنه قال لعائشة رضي اللّه عنها في أمر الميراث.إنما هن أختاك، و إنما كان لها أخت واحدة،و لكن كانت امرأته حاملا فولدت أنثى،فعلم أنه كان قد كوشف بأنها حامل بأنثى، فلا يبعد أن يكون قد كوشف أيضا بانتهاء أجلة.و إلا فلا يظن به إنكار التداوي و قد شاهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم تداوى و أمر به
السبب الثاني:أن يكون المريض مشغولا بحاله،و بخوف عاقبته،
و اطلاع اللّه تعالى عليه،فينسيه ذلك ألم المرض،فلا يتفرغ قلبه للتداوى شغلا بحاله. و عليه يدل كلام أبي ذر إذ قال.إنى عنهما مشغول،و كلام أبي الدرداء إذ قال:إنما أشتكى ذنوبي.فكان تألم قلبه خوفا من ذنوبه أكثر من تألم بدنه بالمرض.و يكون هذا كالمصاب بموت عزيز من أعزته أو كالخائف الذي يحمل إلى ملك من الملوك ليقتل إذا قيل له ألا تأكل و أنت جائع؟فيقول أنا مشغول عن ألم الجوع.فلا يكون ذلك إنكارا لكون الأكل نافعا من الجوع،و لا طعنا فيمن أكل.و يقرب من هذا اشتغال سهل حيث قيل له:ما القوت؟فقال هو ذكر الحيّ القيوم.فقيل إنما سألناك عن القوام.فقال القوام هو العلم.قيل سألناك عن الغذاء.قال الغذاء هو الذكر.قيل سألناك عن طعمة الجسد قال مالك و للجسد ادع من تولاه أولا يتولاه آخرا،إذا دخل عليه علة فردّه إلى صانعه.أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها
السبب الثالث:أن تكون العلة مزمنة،
و الدواء الذي يؤمر به بالإضافة إلى علته موهوم النفع. جار مجرى الكي و الرقية،فيتركه المتوكل.و إليه يشير قول الربيع بن خثيم إذ قال ذكرت عادا و ثمود و فيهم الأطباء،فهلك المداوى و المداوى.أي أن الدواء غير موثوق به و هذا قد يكون كذلك في نفسه،و قد يكون عند المريض كذلك لقلة ممارسته للطب، و قلة تجربته له،فلا يغلب على ظنه كونه نافعا.و لا شك في أن الطبيب المجرب أشد اعتقادا