إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٦ - بيان
و وعظه للسلاطين،و يفرح بقبول الناس قوله و إقبالهم عليه،و هو يدعى أنه يفرح بما يسر له من نصرة الدين،و لو ظهر من أقرانه من هو أحسن منه وعظا،و انصرف الناس عنه و أقبلوا عليه ساءه ذلك و غمه،و لو كان باعثه الدين لشكر اللّٰه تعالى،إذ كفاه اللّٰه تعالى هذا المهم بغيره،ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه،و يقول:إنما غمك لانقطاع الثواب عنك، لا لانصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك،إذ لو اتعظوا بقولك لكنت أنت المثاب،و اغتمامك لفوات الثواب محمود،و لا يدرى المسكين أن انقياده للحق،و تسليمه الأمر أفضل و أجزل ثوابا و أعود عليه في الآخرة من انفراده و ليت شعري لو اغتم عمر رضي اللّٰه عنه بتصدى أبي بكر رضي اللّٰه تعالى عنه للإمامة أ كان غمه محمودا أو مذموما؟و لا يستريب ذو دين أن لو كان ذلك لكان مذموما،لأن انقياده للحق و تسليمه الأمر إلى من هو أصلح منه،أعود عليه في الدين من تكفله بمصالح الخلق،مع ما فيه من الثواب الجزيل،بل فرح عمر رضي اللّٰه تعالى عنه باستقلال من هو أولى منه بالأمر،فما بال العلماء لا يفرحون بمثل ذلك،و قد ينخدع بعض أهل العلم بغرور الشيطان،فيحدث نفسه بأنه لو ظهر من هو أولى منه بالأمر لفرح به و إخباره بذلك عن نفسه قبل التجربة،و الامتحان بأنه لو ظهر من هو أولى منه بالأمر لفرح به و إخباره بذلك عن نفسه قبل التجربة،و الامتحان محض الجهل و الغرور،فإن النفس سهلة القياد في الوعد بأمثال ذلك قبل نزول الأمر،ثم إذا دهاه الأمر تغير و رجع،و لم يف بالوعد و ذلك لا يعرفه إلا من عرف مكايد الشيطان،و النفس،و طال اشتغاله بامتحانها.فمعرفة حقيقة الإخلاص و العمل به بحر عميق،يغرق فيه الجميع.إلا الشاذ النادر و الفرد الفذ،و هو المستثنى في قوله تعالى (إِلاّٰ عِبٰادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [١]) فليكن العبد شديد التفقد و المراقبة لهذه الدقائق،و إلا التحق بأتباع الشياطين و هو لا يشعر
بيان
أقاويل الشيوخ في الإخلاص
قال السوسي :الإخلاص فقد رؤية الإخلاص،فإن من شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص،و ما ذكره إشارة إلى تصفية العمل عن العجب بالفعل، فإن الالتفات إلى الإخلاص و النظر إليه عجب،و هو من جملة الآفات،و الخالص ما صفا
[١] ص:٨٣