إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٥ - بيان
و يتمنى أن لو كفي شر الجوع،حتى لا يحتاج إلى الأكل،فلا يبقى في قلبه حظ من الفضول الزائدة على الضرورة،و يكون قدر الضرورة مطلوبا عنده،لأنه ضرورة دينه فلا يكون له هم إلا اللّٰه تعالى،فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب،أو قضى حاجته،كان خالص العمل صحيح النية في جميع حركاته و سكناته،فلو نام مثلا حتى يريح نفسه ليتقوى على العبادة بعده كان نومه عبادة، و كان له درجة المخلصين فيه،و من ليس كذلك فباب الإخلاص في الأعمال مسدود عليه إلا على الندور،و كما أن من غلب عليه حب اللّٰه و حب الآخرة فاكتسبت حركاته الاعتيادية صفة همه و صارت إخلاصا،فالذي يغلب على نفسه الدنيا و العلو و الرئاسة و بالجملة غير اللّٰه فقد اكتسبت جميع حركاته تلك الصفة،فلا تسلم له عباداته من صوم و صلاة و غير ذلك إلا نادرا فإذا علاج الإخلاص كسر حظوظ النفس،و قطع الطمع عن الدنيا،و التجرد للآخرة، بحيث يغلب ذلك على القلب، فإذا ذاك يتيسر الإخلاص.و كم من أعمال يتعب الإنسان فيها و يظن أنها خالصة لوجه اللّٰه،و يكون فيها مغرورا،لأنه لا يرى وجه الآفة فيها،كما حكي عن بعضهم أنه قال:قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صليتها في المسجد في الصف الأول، لأني تأخرت يوما لعذر فصليت في الصف الثاني،فاعترتنى خجلة من الناس حيث رأونى في الصف الثاني،فعرفت أن نظر الناس إلي في الصف الأول كان مسرتي،و سبب استراحة قلبي،من حيث لا أشعر،و هذا دقيق غامض قلما تسلم الأعمال من أمثاله،و قيل من يتنبه له إلا من و فقه اللّٰه تعالى،و الغافلون عنه يرون حسنانهم كلها في الآخرة سيئات و هم المرادون بقوله تعالى (وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَ بَدٰا لَهُمْ سَيِّئٰاتُ مٰا كَسَبُوا [١]) و بقوله تعالى (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالاً اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [٢]) و أشد الخلق تعرضا لهذه الفتنة العلماء فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء و الفرح بالاستتباع،و الاستبشار بالحمد و الثناء، و الشيطان يلبس عليهم ذلك،و يقول.غرضكم نشر دين اللّٰه،و النضال عن الشرع الذي.
شرعه رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم،و ترى الواعظ يمن على اللّٰه تعالى بنصيحة الخلق،
[١] الزمر:٤٧،٤٨
[٢] الكهف:١٠٣