إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٦ - بيان
مما سواك،لا حاجة لي بهذا،فلم أزل أتضرع حتى صرفين اللّٰه عنى فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي أن ينكرها المؤمن لإفلاسه عن مثلها، فلو لم يؤمن كل واحد إلا بما يشاهده من نفسه المظلمة،و قلبه القاسي،لضاق مجال الإيمان عليه.بل هذه أحوال تظهر بعد مجاوزة عقبات،و نيل مقامات كثيرة،أدناها الإخلاص،و إخراج حظوظ النفس و ملاحظة الخلق عن جميع الأعمال ظاهرا و باطنا،ثم مكاتمة ذلك عن الخلق بستر الحال،حتى يبقى متحصنا بحصن الخمول.فهذه أوائل سلوكهم،و أقل مقاماتهم،و هي أعز موجود في الأتقياء من الناس.و بعد تصفية القلب عن كدورة الالتفات إلى الخلق يفيض عليه نور اليقين، و ينكشف له مبادى الحق،و إنكار ذلك دون التجربة و سلوك الطريق يجرى مجرى إنكار من أنكر إمكان انكشف الصورة في الحديدة إذا شكلت،و نقيت، و صقلت،و صورت بصورة المرآة،فنظر المنكر إلى ما في يده من زبرة حديد مظلم قد استولى عليه الصدأ و الخبث،و هو لا يحكى صورة من الصور،فأنكر إمكان انكشاف.
المرئي فيها عند ظهور جوهرها و إنكار ذلك غاية الجهل و الضلال فهذا حكم كل من أنكر كرامات الأولياء،إذ لا مستند له إلا قصوره عن ذلك.و قصور من رآه،و بئس المستند ذلك في إنكار قدرة اللّٰه تعالى.بل إنما يشم روائح المكاشفة من سلك شيئا و لو من مبادى الطريق،كما قيل لبشر:بأي شيء بلغت هذه المنزلة؟قال.كنت أكاتم اللّٰه تعالى حالي.معناه أسأله أن يكتم علي و يخفى أمري. و روي أنه رأى الخضر عليه السلام فقال له:ادع اللّٰه تعالى لي.فقال:يسر اللّٰه عليك طاعته،قلت:زدني قال:و سترها عليك.فقيل معناه سترها عن الخلق،و قيل معناه سترها عنك حتى لا تلتفت أنت إليها و عن بعضهم أنه قال:أقلقنى الشوق إلى الخضر عليه السلام،فسألت اللّٰه تعالى مرة أن يريني إياه ليعلمني شيئا كان أهم الأشياء علي.قال:فرأيته،فما غلب علي همى و لا همتى إلا أن قلت له:يا أبا العباس، علمني شيئا إذا قلته حجبت عن قلوب الخليقة فلم يكن لي فيها قدر،و لا يعرفني أحد بصلاح و لا ديانة.فقال:قل اللهم أسبل علي كثيف سترك،و حط علي سرادقات حجبك،و اجعلني في مكنون غيبك و احجبني عن قلوب خلقك.قال:ثم غاب فلم أره،و لم أشتق إليه بعد ذلك.فما زلت أقول هذه الكلمات في كل يوم.فحكى أنه صار بحيث كان يستذل و يمتهن،حتى كان أهل الذمة يسخرون به،و يستسخرونه في الطرق