إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٥ - بيان
فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله لو رأيت أبا يزيد،هاج وجد المريد فقال:ويحك،ما أصنع بأبي يزيد؟قد رأيت اللّٰه تعالى فأغنانى عن أبي يزيد. قال أبو تراب.فهاج طبعى،و لم أملك نفسى،فقلت:ويلك.تغتر بالله عز و جل!لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى اللّٰه سبعين مرة.قال:فبهت الفتى من قوله و أنكره،فقال:و كيف ذلك؟قال له:ويلك، أما ترى اللّٰه تعالى عندك فيظهر لك على مقدارك،و ترى أبا يزيد عند اللّٰه قد ظهر له على مقداره فعرف ما قلت،فقال:احملني إليه.فذكر قصة قال في آخرها:فوقفنا على تل ننتظره ليخرج إلينا من الغيضة،و كان يأوى إلى غيضة فيها سباع،قال:فمر بنا و قد قلب فروة على ظهره،فقلت للفتى هذا أبو يزيد فانظر إليه.فنظر إليه الفتى فصعق،فحركناه فإذا هو ميت،فتعاونا على دفنه.فقلت لأبي يزيد:يا سيدي نظره إليك قتله.قال لا:و لكن كان صاحبكم صادقا، و استكن في قلبه سر لم ينكشف له بوصفه فلما رآنا انكشف له سر قلبه،فضاق عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين،فقتله ذلك. و لما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس، و نهبوا الأموال،اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا:لو سألت اللّٰه تعالى دفعهم؟فسكت ثم قال:
إن اللّٰه عبادا في هذه البلدة لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة واحدة و لكن لا يفعلون.قيل لم؟قال لأنهم لا يحبون ما لا يحب.ثم ذكر من إجابة اللّٰه أشياء لا يستطاع ذكرها حتى قال:و لو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها و هذه أمور ممكنة في أنفسها،فمن لم يحظ بشيء منها فلا ينبغي أن يخلو عن التصديق و الإيمان بإمكانها،فإن القدرة واسعة،و الفضل عميم،و عجائب الملك و الملكوت كثيرة،و مقدورات اللّٰه تعالى لا نهاية لها.و فضله على عباده الذين اصطفى لا غاية له.و لذلك كان أبو يزيد يقول:إن أعطاك مناجاة موسى،و روحانية عيسى،و خلة إبراهيم،فاطلب ما وراء ذلك،فإن عنده فوق ذلك أضعافا مضاعفة فإن سكنت إلى ذلك حجبك به و هذا بلاء مثلهم،و من هو في مثل حالهم،لأنهم الأمثل فالأمثل و قد قال بعض العارفين:كوشفت بأربعين حوراء،رأيتهن يتساعين في الهواء،عليهن ثياب من ذهب،و فضة و جوهر،يتخشخش و يتثنى معهن،فنظرت إليهن نظرة،فعوقب أربعين يوما،ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء فوقهن في الحسن و الجمال،و قيل لي انظر إليهن،قال فسجدت و غمضت عينى في سجودى لئلا أنظر إليهن،و قلت:أعوذ بك