إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٠ - بيان
يشبه بغض المشتوم لمن شتمه،و إن كان شتمه إنما يحصل بتدبيره و اختياره لأسبابه.و فعل اللّٰه تعالى ذلك بكل عبد من عبيده،أعنى تسليط دواعي المعصية عليه،يدل على أنه سبقت مشيئته بإبعاده و مقته،فواجب على كل عبد محب لله أن يبغض من أبغضه اللّٰه،و يمقت من مقته اللّٰه،و يعادى من أبعده اللّٰه عن حضرته،و إن أضطره بقهره و قدرته إلى معاداته و مخالفته،فإنه بعيد مطرود ملعون عن الحضرة،و إن كان بعيدا بإبعاده قهرا،و مطرودا بطرده و اضطراره.و المبعد عن درجات القرب ينبغي أن يكون مقيتا بغيضا إلى جميع المحبين موافقة للمحبوب بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده و بهذا يتقرر جميع ما وردت به الأخبار من البغض في اللّٰه،و الحب في اللّٰه،و التشديد على الكفار،و التغليظ عليهم،و المبالغة في مقتهم،مع الرضا بقضاء اللّٰه تعالى من حيث إنه قضاء اللّٰه عز و جل.و هذا كله يستمد من سر القدر الذي لا رخصة في إفشائه.و هو أن الشر و الخير كلاهما داخلان في المشيئة و الإرادة،و لكن الشر مراد مكروه،و الخير مراد مرضي به.فمن قال ليس الشر من اللّٰه فهو جاهل،و كذا من قال إنهما جميعا منه من غير افتراق في الرضا و الكراهة فهو أيضا مقصر.و كشف الغطاء عنه غير مأذون فيه،فالأولى السكوت و التأدب بأدب الشرع،فقد قال صلى اللّٰه عليه و سلم[١]«القدر سر اللّٰه فلا تفشوه» و ذلك يتعلق بعلم المكاشفة.و غرضنا الآن بيان الإمكان فيما تعبد به الخلق،من الجمع بين الرضا بقضاء اللّٰه تعالى،و مقت المعاصي مع أنها من قضاء اللّٰه تعالى،و قد ظهر الغرض من غير حاجة إلى كشف السر فيه و بهذا يعرف أيضا أن الدعاء بالمغفرة،و العصمة من المعاصي،و سائر الأسباب المعينة على الدين،غير مناقض للرضا بقضاء اللّٰه تعالى،فإن اللّٰه تعبد العباد بالدعاء ليستخرج الدعاء منهم صفاء الذكر،و خشوع القلب،و رقة التضرع،و يكون ذلك جلاء للقلب،و مفتاحا للكشف،و سببا لتواتر مزايا اللطف.كما أن حمل الكوز،و شرب الماء،ليس مناقضا للرضا بقضاء اللّٰه تعالى في العطش.و شرب الماء طلبا لإزالة العطش مباشرة سبب رتبه