إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٦ - بيان
الجارية:ما هذا؟قال هذا مكان قولك آه.و حكي عن محمد بن عبد اللّٰه البغدادي قال:
رأيت بالبصرة شابا على سطح مرتفع و قد أشرف على الناس و هو يقول
من مات عشقا فليمت هكذا لا خير في عشق بلا موت
ثم رمى نفسه إلى الأرض،فحملوه ميتا. فهذا و أمثاله قد يصدق به في حب المخلوق و التصديق به في حب الخلق أولى،لأن البصيرة الباطنة أصدق من البصر الظاهر؟و جمال الحضرة الربانية أو في من كل جمال.بل كل جمال في العالم فهو حسنة من حسنات ذلك الجمال نعم الذي فقد البصر ينكر جمال الصور،و الذي فقد السمع ينكر لذة الألحان و النغمات الموزونة فالذي فقد القلب لا بد و أن ينكر أيضا هذه اللذات التي لا مظنة لها سوى القلب
بيان
أن الدعاء غير مناقض للرضا
و لا يخرج صاحبه عن مقام الرضا و كذلك كراهة المعاصي،و مقت أهلها،و مقت أسبابها، و السمي في إزالتها بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يناقضه أيضا.و قد غلط في ذلك بعض البطالين المغترين،و زعم أن المعاصي،و الفجور،و الكفر،من قضاء اللّٰه و قدره عز و جل، فيجب الرضا به.و هذا جهل بالتأويل.و غفلة عن أسرار الشرع فأما الدعاء فقد تعبدنا به،و كثرة دعوات رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم و سائر الأنبياء عليهم السلام،على ما نقلناه في كتاب الدعوات تدل عليه،و لقد كان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم في أعلى المقامات من الرضا،و قد أثنى اللّٰه تعالى على بعض عباده بقوله (وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً [١]) و أما إنكار المعاصي و كراهتها،و عدم الرضا بها،فقد تعبد اللّٰه به عباده،و ذمهم على الرضا به فقال (وَ رَضُوا بِالْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ اطْمَأَنُّوا بِهٰا [٢]) و قال تعالى (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوٰالِفِ وَ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ [٣]) و في الخبر المشهور«من شهد منكرا فرضي به فكأنه قد فعله»و في الحديث[١]«الدال على الشر كفاعله»
[١] الأنبياء:٩٠
[٢] يونس:٧
[٣] التوبة:٩٣