إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٤ - القول
سكر الحب فانطلق اللسان،و اضطربت الأعضاء،فلا يلام فيه صاحبه.حكي أن رجلا رأى من بعض المجانين،ما استجهله فيه،فأخبر بذلك معروفا الكرخي رحمه اللّٰه،فتبسم ثم قال.يا أخي،له محبون صغار و كبار،و عقلاء و مجانين،فهذا الذي رأيته من مجانينهم و مما يكره التظاهر بالحب بسبب أن المحب إن كان عارفا،و عرف أحوال الملائكة في حبهم الدائم،و شوقهم اللازم،الذي به يسبحون الليل و النهار لا يفترون،و لا يعصون اللّٰه ما أمرهم،و يفعلون ما يؤمرون،لاستنكف من نفسه و من إظهار حبه،و علم قطعا أنه من أخس المحبين في مملكته،و أن حبه أنقص من حب كل محب لله.قال بعض المكاشفين من المحبين.عبدت اللّٰه تعالى ثلاثين سنة بأعمال القلوب و الجوارح، على بذل المجهود و استفراغ الطاقة،حتى ظننت أن لي عند اللّٰه شيئا،فذكر أشياء من مكاشفات آيات السموات في قصة طويلة قال في آخرها،فبلغت صفا من الملائكة بعدد جميع ما خلق اللّٰه من شيء،فقلت من أنتم؟فقالوا نحن المحبون لله عز و جل،نعبده هاهنا منذ ثلاثمائة ألف سنة،ما خطر على قلوبنا قط سواه،و لا ذكرنا غيره.قال فاستحييت من أعمالى،فوهبتها لمن حق عليه الوعيد تخفيفا عنه في جهنم فإذا من عرف نفسه،و عرف ربه،و استحيا منه حق الحياء،خرس لسانه عن التظاهر بالدعوى.نعم يشهد على حبه حركاته،و سكناته،و إقدامه،و إحجامه،و تردد انه،كما حكي عن الجنيد أنه قال مرض أستاذنا السري رحمه اللّٰه فلم نعرف لعلته دواء،و لا عرفنا لها سببا.
فوصف لنا طبيب حاذق،فأخذنا قارورة مائه،فنظر إليها الطبيب،و جعل ينظر إليه مليا، ثم قال لي.أراه بول عاشق. قال الجنيد.فصعقت و غشي علي،و وقعت القارورة من يدي.
ثم رجعت إلى السري فأخبرته،فتبسم ثم قال.قاتله اللّٰه ما أبصره!قلت يا أستاذ،و تبين المحبة في البول؟قال نعم. و قد قال السري مرة:لو شئت أقول ما أيبس جلدى على عظمى،و لا سل جسمى إلا حبه.ثم غشي عليه.و تدل الغشية على أنه أفصح في غلبة الوجد و مقدمات الغشية.
فهذه مجامع علامات الحب و ثمراته و منها الأنس و الرضا كما سيأتي. و بالجملة جميع محاسن الدين و مكارم الأخلاق ثمرة الحب،و ما لا ثمره الحب فهو اتباع الهوى،و هو من رذائل الأخلاق.نعم قد يحب اللّٰه