المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣٩ - المبحث الثالث في بيان مقتضى الأصل على القول بالسببية
وجود الضالّة للمجتهد حتى يصل إليها،ومن جانب آخر أنّ وجود الحكم الشرعي من نتاج الاستنباط أو قيام الأمارة، وهذا هو الدور المصرّح.
الثاني: التصويب المنسوب إلى المعتزلة وهو الاعتراف بوجود حكم الله المشترك بين العالم والجاهل، غير أنّه إذا قامت الأمارة على خلاف الواقع تحدث في المؤدّى مصلحة ملزمة توجب انقلاب الحكم الواقعي إلى مفاد الأمارة، فيكون ما أدّت إليه الأمارة حكماً واقعياً قائماً مقام الحكم الواقعي.
يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك كون المفتي أو المجتهد مشرّعاً، مع أنّ التشريع مختص بالله سبحانه، قال سبحانه:(إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).[١]
الثالث: ما اختاره الشيخ الأنصاري في أوائل مبحث الظن، وحاصله: أنّ لله تبارك وتعالى حكماً واقعياً مشتركاً بين العالم والجاهل محفوظاً مطلقاً، سواء أقامت الأمارة عليه أم لا، سواء أكان مؤدّى الأمارة موافقاً له أم لا، لكن لما كان الأمر بالعمل بالأمارة مفوتاً للمصلحة أو ملقياً في المفسدة، كان في سلوك الأمارة على وفقها مصلحة جابرة لما فات من مصلحة الواقع، أو متداركة للمفسدة الواقعية.
وعلى هذا فالأمارة لا تمسّ كرامة الواقع ولا تغيّرها،بل هي منجزة للواقع إذا أصابت ومعذرة عند المخالفة، غاية الأمر يترتّب على سلوك الأمارة مصلحة جابرة للمصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة، دون أن يكون هناك جعل حكم ظاهري في مورد الأمارة.
[١] يوسف:٤٠.