عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٥٨ - الشاعر المثقف
و يصف جلجلة شعره فيقول:
أنا القائل المرموق من كل ناظر # إذا صلصلت للسامعين غرائبي
و يصف قدرته على إيذاء الأعداء بالشعر فيقول:
فلا ترهبوني بالرماح سفاهة # فعيدان أوطاني قنا و صعاد [١]
و لا توعدوني بالصوارم ضلّة # فبيني و بين المشرفيّ ولاد [٢]
سأمضغ بالأقوال أعراض قومكم # و للقول أنياب لديّ حداد [٣]
ترى للقوافي و السماء جلية # عليكم بروق جمّة و عاد
و يصف نفسه بالسيطرة على الالفاظ فيقول:
ألا من كنت شاعره # فإن المجد شاعره
و إن اللفظ مطروح # على فكري جواهره
فما رأيكم فيما سمعتم، يا أدباء بغداد؟ أترون كيف يتحدث عن صقال الألفاظ و طلاب المعاني، و كيف يصف نفسه مرات بأنه صنع، و يصف قصائده بأنها كمشرعات الأسل و محكمات الدروع؟ أرأيتم كيف يبدىء و يعيد في وصف ما تمتاز به قصائده من إحكام النظام، و كيف تجلجل جلجلة الرعود و البروق؟ إن هذا الشاعر يقفنا أمام حقيقتين: الاولى ان البلاغة بريئة من البهرج و التكلف، و الثانية ان البلاغة لا تكون دائما من عفو الطبع، و إنما يصل إليها الرجال بالجهاد و الجلاد في تخير الألفاظ و تصيّد المعاني، و هذا
[١] القنا: جمع قناة و هي الرمح. و الصعاد: جمع صعدة و هي القناة التي تنبت مستوية فلا تحتاج إلى مثقف.
[٢] المشرفي: السيف. نسبة إلى مشارف الشام.
[٣] حداد: جمع حديد. من الحدة و هي القوة.