عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٩٦ - أعوام البؤس في حياة الشريف
اتصاله بعدوّه الغادر بختيار، و لكن رأيناه يعتمد عليه في بعض شؤونه حين جدّت الحرب بينه و بين المسيطرين على الأقطار الشامية، فنفهم أن عضد الدولة يرى في أبي أحمد قوة أدبية يحسب لها حساب، و تغفر لصاحبها بعض الذنوب.
فما الذي جدّ من الامور حتى نفض عضد الدولة يده من أبي أحمد و قضى على أملاكه بالمصادرة، و على شخصه و شخص أخيه بالقبض و الاعتقال؟ هناك أسباب كثيرة لم تفصّلها كتب التاريخ، و إنما فهمناها من ملامح الحروف و نحن نستخبر ما سطّر المؤرخون عن ذلك العهد، و يكفي أن نشير إلى كلمة عضد الدولة و هو يقول لمن سأله العفو عن أبي الصابي:
«أما العفو عنه فقد شفّعناك له عن ذنب لم نعف عما دونه لأهلينا-يعني الديلم-و لا لأولاد نبينا صلّى اللّه عليه و سلّم-يعني أبا الحسن محمد بن عمر و أبا أحمد الموسوي و أخاه-و لكنا وهبنا إساءته لخدمته» .
و من هذه الكلمة نفهم أن عضد الدولة كان نقم على أبي احمد الموسوي أشياء دعته إلى المبادرة باعتقاله، و مصادرة أملاكه ليكون عبرة لغيره من الرؤساء.
و هنا تبدأ أعوام البؤس في حياة الشريف الرضي، ذلك الطفل الذكي النبيل الذي يواجه مكاره الحياة و هو ابن عشر سنين.
و ما ظنكم بطفل يتوقّد غيرة و حماسة، و يقبل على الدرس إقبال الرجال فيصل النهار بالليل في درس العلوم العقلية و النقلية، و يأوي إلى بيت عامر بالكرم و الجود تعجّ أرجاؤه بأصوات الخدم و الحاشية، و يرى أباه في الصباح و المساء و هو عماد المكروبين، و غياث الملهوفين، و يرى أساتذته يبالغون في إكرامه لأنه ابن النقيب، ما ظنكم بطفل هذه أحواله