عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١١٨ - أعوام البؤس في حياة الشريف
جذبت من لهوات الموت مهجته # و كان يطرف في الدنيا على وجل [١]
و ما كان حساما أغمدته يد # ثم انتضته اليد الاخرى على عجل
فاقذف به ثغر الأهوال منصلتا # و استنصر الليث إن الخيس للوعل [٢]
و لا تطيعنّ فيه قول حاسده # إن العليل ليرمي الناس بالعلل
أولى بتكرمة من كان يحمدها # و الحمد يقطع بين الجود و البخل
كفاك منظره إيضاح مخبره # في حمرة الخدما يغني عن الخجل
تحمّل الشرف العالي و كم شرف # غطّى عليه رداء العيّ و الخطل
أيها السادة:
لقد زفّت سنة ٣٧٦ أعظم بشرى إلى الشريف، إذ سمح له الدهر برؤية أبيه في بغداد، و لكن هناك بشرى ثانية، فما هي تلك البشرى؟ أهي ردّ الاملاك التي صودرت بعد الاعتقال؟هيهات، فلن تردّ الاملاك إلا بعد سنين، فما هي تلك البشرى إذن؟ هي موت المطهر بن عبد اللّه وزير عضد الدولة، و قد شمت الشريف في موت ذلك الوزير الذي اعتقل أباه و عبّره الإدلال بالعظام النّخرات، عظام أهل البيت.
و أعيذكم أن تؤاخذوا الشريف على الشماتة في ميت، فللشريف عذره و هو أنه لا يزال فتى غض تبصّره الايام بمقامات الكلام، و موقفنا في هذه المحاضرات موقف المؤرخ للافكار الادبية، فلا بأس من الاشارة إلى هذا الحادث الذي كنا نتمنى أن لا تزلّ فيه قدم الشريف.
[١] اللهوات: جمع لهاة و هي اللحمة المشرفة على الحلق.
[٢] الثغر: جمع ثغرة بالضم و هي الفتحة، و المتصلت. السيف الصقيل.
و الخيس بالكسر موضع الاسد، و الوعل تيس الجبل.