عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١٢٠ - أعوام البؤس في حياة الشريف
و تداركت ما تمنيت و الاحشاء # مزورة على الاحقاد
نلت بعضا و سوف تدرك كلا # إنما السيل بعد قطر العهاد [١]
ايها السادة:
في هذا البيت الاخير ترون الشريف يصرّح بأن أباه لم ينل بعودته من فارس كل شيء، و هذا حق، فقد ضاعت من أبي أحمد الموسوي أشياء، ضاعت منه الاعمال الرسمية و كانت من أعظم مظاهر التشريف، و هي نقابة الطالبيين، و إمارة الحج، و النظر في المظالم، و ضاعت منه الموارد الاساسية للرزق، و هي الاملاك التي صودرت و حرم منها أطفاله منذ سنين أما الاعمال الرسمية فلم تعد اليه بعودته إلى بغداد، و إنما طاولتها الظروف فلم تعد إلا في سنة ٣٨٠، و كان لرجوع تلك المناصب إلى أبي أحمد الموسوي نشوة طرب رقصت لها أخيلة الشعر في خواطر الشريف الرضي فاندفع يقول:
أنظر إلى الايام كيف تعود # و إلى المعالي الغرّ كيف تزيد
و إلى الزمان نبا و عاود عطفه # فارتاح ظمآن و أورق عود
نعم طلعن على العدو بغيظه # فتركنه حمر الجنان يميد [٢]
قد عاود الايام ماء شبابها # فالعيش غضّ و الليالي غيد
إقبال عز كالأسنّة مقبل # يمضي و جدّ في العلاء جديد
و علا لأبلج من ذؤابة هاشم # يثني عليه السؤدد المعقود
قد فات مطلوبا و أدرك طالبا # و مقارعوه على الامور قعود
خسأت عيونهم و قد طمحت له # عدد عراض في العلا و عديد
ما صال إلا انجاب غيّ مظلم # و اندقّ من عمد الضلال عمود
[١] العهاد جمع عهد و هو أول مطر الوسمي.
[٢] حمر الجنان: مكوي القلب، من قولهم حمر الرجل إذا توقد غضبا.