عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٦١ - الشاعر المثقف
من للموارق يستردّ قلوبها # بزلازل الإبراق و الإرعاد
و صحائف فيها الأراقم كمّن # مرهوبة الاصدار و الايراد [١]
تدمى طوائعها إذا استعرضتها # من شدة التحذير و الإبعاد [٢]
حمر على نظر العدوّ كأنما # بدم يخطّ بهن لا بمداد
يقدمن إقدام الجيوش و باطل # أن ينهزمن هزائم الأجداد
فقر بها تمسي الملوك فقيرة # أبدا إلى مبدى لها و معاد
و تكون سوطا للحرون إذا ونى # و عنان عنق الجامح المتمادي [٣]
ترقى و تلدغ في القلوب و إن يشأ # حطّ النجوم بها من الأبعاد [٤]
فماذا ترون في هذه الصورة الشعرية، صورة القلم البليغ الذي يحز في قلوب الأعداء و كأنه السيف المسلول، القلم البليغ الذي يستزل الرماح و يردّ الجنود، و يسترد موارق القلوب بالترهيب و التخويف، القلم الذي يصيّر الصحائف و كأنها مملوءة بكوا من الأراقم و الصلال، القلم الذي يخيّل الصحائف للعدو و هي حمر قانية كتبت بالدم لا بالمداد، القلم الذي يسدّ مسدّ السوط في رياضة الحرون، و مسدّ العنان في عنق الجواد الجموح، القلم الذي يلدغ القلوب إن شاء، و يرقيها إن شاء، و يحطّ النجوم من الابعاد حين يريد.
إن هذا الوصف يعطينا فكرة واضحة عن فهم الشريف لقوة القلم البليغ، و هو ليس كالوصف الذي رأيناه منذ لحظات، و إنما هو وصف حي يأخذ ملامحه من قوة الاحساس و يقظة الجنان.
[١] الاراقم جمع ارقم و هو اخبث الحيات. و الكمن جمع كامن و هو المستتر. و المرهوبة:
المخوفة.
[٢] تدمي: يسيل منها الدم. و الايعاد: الانذار.
[٣] الحرون: الذي يعف بعد ان يستدر الجري. و الجامع: الذي يخرج على طاعة الفرس
[٤] ترقى: من الزقية بالضم و هي علاج المريض بالتعاويذ.