عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٦٦ - الشاعر المثقف
كيف كان يدرك أن القلم و اللسان يغنيان أحيانا عن سل السيوف في كبح الخصوم و تأييد الآراء.
و لما مات الصاحب رثاه الشريف بقصيدة قوية جاء فيها قوله في وصف ما تصنعه الأقلام:
واها على الأقلام بعدك إنها # لم ترض غير بنان كفك آلا [١]
أفقدن منك شجاع كل بلاغة # إن قال جلّى في المقال و جالا
من لو يشا طعن العدا برؤوسها # و أثار من جريالها قسطالا [٢]
و إذا تجايشت الصدور بموقف # حبس الكلام و قيد الاقوالا [٣]
بصوائب كالشّهب تتبع مثلها # و رعال خيل يتّبعن رعالا [٤]
فهو يجعل الحجج الصوائب في قوة الخيل المغيرات، و هي أخيلة بدوية كان يحسّ صورها كل الإحساس.
و في الشواهد التي سلفت ما يريكم كيف كان الشريف يهتم بوصف اللّسن، و كيف كانت تروعه قوة الجدل، و قد وصل في ذلك إلى أبعد الغايات و هو يقول في رثاء عبد العزيز بن يوسف:
أبكيك يا عبد العزيز لخطة # تعمى مطالعها و خطب مضلع [٥]
[١] الال: اصله اهل أبدلت الهاء همزة فصارت أأل بفتح فسكون ثم إبدلت الهمزة الثانية ألفا. و يقال في تصغيره أويل و أهيل.
[٢] الجريال: ما خلص من لون احمر أو غيره. و القسطال و القسطل: الغبار.
[٣] تجايشت الصدور: غلت و هاجت.
[٤] الرعال جمع رعلة بالفتح و هي القطعة من الخيل.
[٥] خطب مضلع: مهلك.