عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٢٢ - عبقرية الجندي المجهول
قصائد ذلك الفاتك الصوال.
سترون أيها السادة أن الشريف الرضي كان شاعر القلب و العقل و الذكاء، سترون شاعر الانسانية يفصح عما تعاني من شهوات و أهواء و آلام و أرزاء، و أمان و آمال.
سترون انه يحس ما تحسون اليوم، و يشعر بما تشعرون، مع أنه سبقكم إلى تنسّم هواء العراق بنحو ألف سنة، و سيظل يشارك الناس في أحلامهم و أحقادهم آلاف السنين.
أفما كان في تلك الجوانب النفسية و الذوقية و العقلية ما يلفت أنظار النقاد إلى ذلك الرجل لو كانوا يفهمون أقدار المعاني؟ ألم تكن هموم المجد في أشعار الشريف الرضي أولى بعناية النقاد من البحث عن شرقات المتنبي؟ أ لم يكن الحرص على تدوين أو ابده في نقد المجتمع أولى من الحرص على تدوين قصائد ابن الرومي في شتم الناس؟ ألم يكن فيهم من سمع الشريف و هو يصرخ فيقول:
أنا النّضار الذي يضنّ به # لو قلّبتني يمين منقد
ألم يكن فيهم من يدفعه التطلع إلى شكواه من طول الليل في بغداد إذ يقول:
ليلي ببغداد لا أقرّ به # كأنني فيه ناظر الرمد
ينفر نومي كأن مقلته # تشرج أجفانها على ضمد
أما كان فيهم من يسأل كيف ضجر الرجل من أهل بغداد فقال يخاطب الثلج الذي رآه أهلها أول مرة في شهر ربيع الآخر سنة ٣٩٨.
أقول له و قد أمسى مكبا # على الأقطار يضعف أو يزيد