عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٦٤ - الشاعر المثقف
و سوّمها ملس المتون كأنها # نزائع من آل الوجيه و لا حق [١]
تغلغل في أعقابهن وسومه # بأبقى بقاء من وسوم الأيانق [٢]
ففي الناس منها ذائق غير آكل # و قد كان منها آكلا غير ذائق
و من للمعاني في الأكمّة ألقيت # إلى باقر غيب المعاني وفاتق [٣]
يطوّح في أثنائها بضميره # مرير القوى ولاّج تلك المضايق [٤]
تسنّم أعلا طودها غير عاثر # و جاوز أقصى دحضها غير زالق [٥]
فهو في الابيات الاولى يصفه بحلاوة القول، و هو في الابيات الاخيرة يصفه بسياسة القول. و لا يلتفت إلى سياسة القول إلا الشعراء المثقفون الذين راضتهم الايام على وزن مقامات البيان.
و لا بأس من أن نستطرد قليلا فنقول: إن اهتمام الشريف بمدح ابن جنّى و رثائه موصول الاواصر بحياته الادبية، فقد كان ابن جنى شرح قصيدته الرائعة في رثاء ابراهيم بن ناصر الدولة الحمداني، و هي التي يقول في مطلعها:
[١] سومها: أرسلها. و الملس جمع أملس و هو الصحيح المتن أي الظهر. و في المثل.
«هان على الأملس مالاق الدبر» يضرب في سوء اهتمام الرجل بشأن صاحبه. و النزائع جمع نزيع و هو الغريب. و الوجيه و لا حق فرسان تنسب اليهما الخيل العتاق.
[٢] الوسوم: العلامات. و هي ما يوسم به الحيوان من ضروب الصور و الايانق جمع الجمع للناقة التي تجمع على أينق و نياق و انواق.
[٣] الاكمة جمع كمامة بالكسر و هي وعاء الطلع و غطاء النور. و الباقر هو الذي يكشف مكنونات المعاني، و به سمي الباقر محمد بن علي بن الحسين رضي اللّه عنهم لتبحره في العلم.
و الفاتق كذلك.
[٤] القوى جمع قوة و هي طاقة الحبل. و المرير المحكم القتل. و العبارة مجازية.
[٥] تسنم الطود: علاه. و الطود: الجبل. و الدحض: المكان الزلق و جمعه دحاض و منه المدحضة و هي المزلة.