عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١٢٧ - أعوام البؤس في حياة الشريف
فرثاه ابنه بقصيدة بلغت تسعة و ثمانين بيتا، و هي من الطوال الجياد، نذكر منها قوله في وصفه بقوة الشجاعة و رصانة البيان:
أنعاك للخيل المغيرة شزّبا [١] # خبط المغار بهن من لم يجزم
كالسّرب أوجس نبأة من قانص # فمضى يلفّ مؤخرا بمقدّم [٢]
و اليوم مقذ للعيون بنقعه [٣] # لا يهتدي فيه البنان إلى الفم
و مقاوم عرض الكلام بروده # فيهن بين معضّد و مسهّم [٤]
أغضى لها المتشدقون و سلموا # لهدير شقشقة الفنيق المقرم [٥]
بالرأي تقبله العقول ضرورة # عند النوائب لا بكيف و لا لم
أيها السادة:
حدثناكم فيما سلف عن الخصومة بين الرضي و المعري، و قد جاءت الفرصة لتصحيح ذلك، و الفضل في هذا التصحيح للصديق الكريم سعادة الاستاذ طه الراوي، أعزه اللّه و رعاه، فقد نبهنا إلى المرثية المأثورة التي بكى بها المعري أبا أحمد الموسوي، و هي تشهد بأن المعري كان على صفاء مع الرضي و أخيه المرتضى إلى سنة ٤٠٠ و هو لم يقم في بغداد بعد ذلك غير قليل، و يقول الاستاذ طه الراوي إن من المستبعد جدا أن ينسى الشريف و أخوه هذه المرثية فيسيئان إلى المعري بسبب عطفه على المتنبي، و بذلك تتبدد الشبهة التي ذكرها مؤرخو الأدب و اعتمد عليها سعادة الدكتور
[١] الشزب جمع شازب و هو الضامر.
[٢] النبأة: الصوت الخفي، أو صوت الكلاب.
[٣] النقع: غبار الحرب و هو العثير أيضا.
[٤] المقاوم جمع مقام. و المعضد ثوب له علم في موضع العضد. و المسهم: البرد المخطط.
[٥] الفنيق الفحل يكرم على أهله فلا يركب. و المقرم وصف للفحل.