عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١٠ - مقدمة الطبعة الأولى
التلميذ، كما يفعل المتحذلقون، و إنما وقفت منه موقف الصديق من الصديق، و التشابه بيني و بين الشريف الرضي عظيم جدا، و لو خرج من قبره لعانقني معانقة الشقيق للشقيق، فقد عانى في حياته ما عانيت في حياتي: كافح في سبيل المجد ما كافح و جهله قومه و زمانه، و كافحت في سبيل المجد ما كافحت و جهلني قومي و زماني.
و هذا الترفق في معاملة الشريف ليس نزوة شخصية، و إنما هو وثبة علمية، فما كان يمكن ان أكون وفيا للبحث إلا إن سايرت الشاعر الذي أعرض عقله و روحه على تلاميذي، و هذه هي المزية التي انفرد بها بين أساتذة الادب العربي.
سايرت الشريف مسايرة الصديق للصديق: فان آمن آمنت، و إن كفر كفرت، و إن جدّ الشريف جددت، و إن لعب لعبت، إن عقل الشريف عقلت و إن جنّ جننت، إن قال الشريف إن غاية الرجل العظيم هي الحرب قلت صدقت، و إن قال: إن الحياة هي الحب، قلت: و الحب حياة! و لكني مع هذا عاملته معاملة الصديق الامين فنبهته إلى عيوبه بتلطف و ترفق، نبهته تنبيها دقيقا جدا لا يفطن اليه إلا الاذكياء-و في بني آدم اذكياء نبهته إلى عيوبه اكثر من ستين مرة، و ما أظنه يحقد عليّ لأن الصديق الذي في مثل حالي تغفر له جميع الذنوب.
و الشواهد في هذا الكتاب كثيرة جدا، و ذلك هو اسلوبي في البحث فأنا اشغل القارىء بالشاعر الذي أدرسه اكثر مما اشغله بنفسي، و هذه إشارة ارجو ان ينتفع بها المتحذلقون.
اعتمدت على طبعة بيروت و صححت ما صادفني فيها من اغلاط، و شرحت