عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٥١ - الشاعر المثقف
البلاغة من المواد الوصفية في حياة المجتمع، و انها لذلك خليقة بالتاريخ و هو ثانيا يسعف من يهمهم ان يعرفوا كيف تطورت عقلية الشاعر من حال إلى حال.
و لقد تظنون أن هذا العمل النافع قام به جامع الديوان، و لم يقم به الشريف و نجيب بأن ديوان الشريف رتّب بعنايته و هو حيّ، و قد طلبت منه «تقية» بنت سيف الدولة نسخة و هي بمصر، و طلبه كذلك الصاحب بن عباد، و لا يطلب الديوان إلا و هو عند صاحبه حاضر عتيد.
و قد كان الشريف ينظر إلى الشعر نظر الفنّان، فنراه يقول في وصف قصائده الجياد:
منتصبات كالقنا لا ترى # عيّا من القول و لا أفنا
لا يفضل المعنى على لفظه # شيئا و لا اللفظ على المعنى
فمثل الشريف في نظم شعره مثل الصيدلي البارع الذي يحسن تركيب الدواء، فهو شخص مسئول يركّب الدواء بمقادير معينة محددة يؤخذ بعضها بالقطارة و بعضها بالميزان، و هو يعلم ان الدواء لو نقص منه جزء أو زيد عليه جزء لأصبح ضارّا أو غير مفيد [١]
و كان يشعر بأن اهم عناصر البلاغة قوة الذاتية، نعرف ذلك من كلامه في تجريح من يسرقون شعره و ينتحلونه في بعض البلاد، فقد هددهم بالفضيحة و أعلنهم ان شعره سينمّ عليه و سيبوؤن بالخيبة و الاخفاق، و ذلك إذ يقول:
ألا من عذيري من رجال تواعدوا # لحربي من رامي عقوق و رامح
[١] النثر الفني ج ١ ص ٢٩٦.