عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٩٤ - أعوام البؤس في حياة الشريف
ما يتطلع اليه الروم من غزو العراق، و قامت مظاهرة هائلة توجهت إلى قصر الخليفة المطيع للّه، و حاول المتظاهرون الهجوم عليه، و قلعوا طائفة من نوافذ القصر، فأغلقت دونهم الابواب بعد ان كادوا يصلون إلى الخليفة، و لكنهم لم ينصرفوا حتى اسمعوه افحش السباب.
و في تلك اللحظة الحرجة تقدم بختيار يطالب الخليفة بما عنده من المدخرات ليستعين بها على غزو الروم، فأجاب الخليفة:
«إن الغزو يلزمني إذا كانت الدنيا في يدي و إليّ تدبير الاموال و الرجال، و أما الآن و ليس لي منها إلا القوت القاصر عن كفايتي، و الدنيا في أيديكم و ايدي اصحاب الأطراف، فما يلزمني غزو و لا حج و لا شيء مما تنظر الائمة فيه، و إنما لكم مني هذا الاسم الذي يخطب به على منابركم تسكنّون به رعاياكم، فإن أحببتم ان اعتزل اعتزلت عن هذا المقدار ايضا و تركت لكم الأمر كله» و لكن هذا الجواب على ما فيه من فضيحة الخليفة لم يرض بختيار:
فما زال يوعد و يهدّد حتى اضطر الخليفة المطيع للّه إلى بيع ثيابه، و بعض انقاض داره ليجمع اربعمائة ألف درهم يسلم بها من غضب بختيار الذي اخذ من الخليفة و من الناس ما اخذ و لم يخط خطوة واحدة في قتال الروم! و قد تجلت هذه البلايا عن قوتين تخاصمان بني بويه: قوة الخلافة إن بقيت لها قوة، و قوة أبي احمد الموسوي الذي عزله وزير بختيار عن نقابة الاشراف.
و بعد سنتين من ذلك التاريخ سنة ٣٦٣ شبت الثورة بين الترك الديلم مرة ثانية، فسفكت الدماء، و أحرقت مدينة الكرخ حريقا ثانيا بعد