عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٤٣ - عبقرية الجندي المجهول
إذ تبين لهم أن الكتاب و النقاد انقسموا إلى جماعات تتقارض التلطف و الثناء، و هم يسمّون ذلك بالكمارادري
Camaraderie
و تلك الكمارادري معروفة في مصر و لعلها أيضا معروفة في الشام و العراق.
و قد شكوت هذه البلية، و اتفق لي أن أكون من ضحاياها في كثير من الأحيان، و ما شكوته أنا شكاه سواي، فالنقاد اليوم يعرفون أصدقاءهم قبل سائر الناس، و الجرائد و المجلات قد تعامل الكتاب و الشعراء و المؤلفين وفقا لصلاتهم بمختلف الاحزاب.
أما بعد فقد بينت لكم بعض الاسباب التي قضت على الشريف الرضي بالخمول، فهل تحبون أن أحدثكم كيف عرفت ذلك الشاعر العظيم؟ لا تظنوا أني تلقيت الاعجاب به عن الاساتذة و الادباء، فقد كان أهل الأدب في عهد حداثتي لا يختلفون إلا حول أبي تمام و البحتري و المتنبي من بين القدماء، و شوقي و حافظ من المحدثين، ثم اتفق ان شرعت في سنة ١٩١٧ أؤلف كتاب «مدامع العشاق» فحملني ذلك على استقراء المأثور من الشعر الوجداني في مختلف العصور، و كانت فرصة ذهبية عرفت فيها الشريف الرضي شاعر القلب و الوجدان.
و منذ ذلك اليوم و أنا أحدث الناس عن القائد المعروف لا الجندي المجهول، حتى أصبح له في مصر أشياع يقدمونه على سائر الشعراء، و أصبحتم تسمعون رنين شعره من حنجرة «أم كلثوم» .
و ها نحن أولاء نعود فندعو أهل بغداد إلى إحياء ذكراه، ها نحن أولاء نعود فنتحدث عنه في المدينة السحرية التي عرف فيها كيف تندى