عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٢٤ - عبقرية الجندي المجهول
ما في ديوان الشريف من اللؤلؤ المكنون؟ أعيذكم أن تظنوا أن ذلك الشاعر خلا ديوانه من الأبيات النوادر التي تفصح عن بصره بخلائق المجتمع و سرائر الناس، فقد أستطيع أن أجزم بأنه في هذه الناحية أشعر من المتنبي: لأن المتنبي كان يقصد إلى الحكمة قصدا، و يتعمدها و هو متكلف، أما الرضي فكانت الحكمة تسبق إلى خاطره من فيض السجية و الطبع، فيرسلها عفوا بلا تصنع و لا اعتساف.
ما رأيكم في هذا البيت:
إذا قلّ مالي قلّ صحبي و إن نما # فلي من جميع الناس أهل و مرحب
و هذا البيت:
يغرّ الفتى ما طال من حبل عمره # و ترخي المنايا برهة ثم تجذب
و هذا البيت:
و آمل أن تقي الأيام نفسي # و في جنبي لها ظفر و ناب
و هذا البيت:
تفدي الفتى في عيشه ألسن # و ما له من حتفه فاد
و هذا البيت:
كل حبس يهون عند الليالي # بعد حبس الأرواح في الأجساد
و هذا البيت:
علامة العز أن حسدت به # إن المعالي قرائن الحسد
و هذا البيت:
ينال الفتى من دهره قدر نفسه # و تأتي على قدر الرجال المكايد
[١]
[١] في هذا البيت معنى يغاير قول المتنبي:
على قدر اهل العزم تأتي العزائم # و تأتي على قدر الكرام المكارم