عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٥٥ - الشاعر المثقف
الآداب، و لكن حديث الشريف عن القلم له دلالة على اتجاهاته الذوقية و النفسية، فهو يتحدث عنه حديث المتيم المشتاق، و يكاد يتغزل فيه و هو يجول فوق القراطيس. و أي سحر فات الشريف و هو يصف قلم الصاحب بن عباد:
لك القلم الماضي الذي قرنته # بجري العوالي كان أجرى و أجودا [١]
إذا انسلّ من عقد البنان حسبته # يحوك على القرطاس بردا معمّدا [٢]
يغازل منه الخطّ عينا كحيلة # إذا عاد يوما ناظر الرمح أرمدا
و إن مجّ نصل من دم الصّرب أحمرا [٣] # أراق دما من مقتل الخطب أسودا
إذا استرعفته همة منك غادرت [٤] # قوادمه تجري و عيدا و موعدا
أو حين يقول:
لك القلم الجوّال إذ لا مثقّف # يجول و لا عضب تهاب مواقعه [٥]
سواء عشيّته النّقس رهبة # و ذو لهذم غشّي من الدم رادعه [٦]
يلجلج من فوق الطروس لسانه # و ليس يؤدي ما تقول مسامعه
و ينطق بالأسرار حتى تظنه # حواها و صفر من ضمير أضالعه [٧]
إذا اسودّ خطب دونه و هو أبيض # يسوّد و ابيضت عليه مطالعه
أو حين يقول:
له قلم إن جرى غربه # أمنّا القنا و خشينا اليراعا [٨]
[١] العوالي رؤوس الرماح، مفردها عالية.
[٢] المعمد: الموشى
[٣] الصرب بالكسر هو الصبغ الاحمر
[٤] استرعفته: اخرجت منه الرعاف و هو الدم. و العبارة مجازية.
[٥] المثقف: الرمح. و العضب: السيف.
[٦] النقس: المداد. و اللهذم: السنان القاطع. و الرادع: الملطخ بالدم.
[٧] صفر: خال.
[٨] الغرب: الحد. و القنا: الرمح. و اليراع: القصب.