عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٦٥ - الشاعر المثقف
ألقى السلاح ربيعة بن نزار # أودى الردى بقريعك المغوار [١]
و تجردي عن كل أجرد سابح # ميل الرقاب نواكس الابصار [٢]
و سنعود إلى هذه القصيدة بعد حين، و لكن المهم أن نسجل أن الشريف كان يعادي و يصادق في سبيل حياته الشعرية، فهو قد مدح ابن جنى و رثاه لأنه شرح إحدى قصائده في الرثاء، و كذلك فعل مع الصاحب بن عباد، فقد بلغه أن شيئا من شعره وقع إليه فأعجب به و أنفذ إلى بغداد لاستنساخ سائر شعره، فلما بلغه ذلك أخذ منه الطرب كل مأخذ، و مدح الصاحب بقصيدة بارعة منها الأبيات التي سلفت في وصف القلم، و لكنه أخفاها عنه و لم يرسلها إليه خوفا من أن يتّهم بالسعي في طلب المال، ثم مدحه بقصيدة ثانية لا يعنينا منها في هذا المقام إلا اهتمامه بوصف بلاغة الصاحب إذ يقول:
كم حجة لك في النوافل نوّهت # بدعاء دين العدل و التوحيد [٣]
و مجادل أدمى جدالك قلبه # و أعضّه بجوانب الصّيخود [٤]
و شفيت ممترض الهوى من معشر # سدّوا من الآراء غير سديد
قارعتهم بالقول حتى أذعنوا # و أطلت نوم الصارم المغمود
جمر بمسهكة الرياح نسفته # كان الضلال يمدّه بوقود [٥]
فهذه الأبيات تمثل فهمه لخطر الجدل و القلم أصدق تمثيل، و ترينا
[١] القريع: الفحل.
[٢] الاجرد: الحصان القصير الشعر. و الميل جمع اميل. و هو من يميل على السرج. و هو هنا المنكسر الذي يميل عنقه من الضعف.
[٣] النوافل هنا معناها الشدائد. و مفردها نوفل. و العدل هو مذهب الاعتزال. و في اخبار الصاحب بن عباد انه كان يذهب مذهب العدل.
[٤] الصيخود: الصخرة الشديدة.
[٥] المسهكة: ممر الرياح.