عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٥٩ - الشاعر المثقف
و لا ريب مطمح الشاعر المثقف الذي يعرف أنه مهدد بالشهرة التي غنمها المتنبي و الشهرة التي سيغنمها أبو العلاء.
و عقل القرن الرابع هو الذي أورد شاعرنا هذه الموارد، فقد كان يرى العلم و الفلسفة يحيطان به من كل جانب، و كان يرى الناس لا يقنعون بالمواهب الفطرية التي كانت تغنى في عصر امرىء القيس أو عمر ابن أبي ربيعة أو مسلم ابن الوليد، و كان يرى الادباء يتغنّون بفنون أبي تمام و البحتري و ابن الرومي، و كان يتطلع إلى أن تكون له منزلة في صدور الادباء المتفلسفين أمثال التوحيدي و الصاحب بن عباد.
و سترون في المحاضرة المقبلة أن الشريف الرضي لم يكن يعيش وحده، و إنما كان يعيش في زمن أكثر علمائه شعراء، فهو يقارعهم مقارعة الشاعر المثقف، و يلقاهم بعزائم الفحول.
ننتقل إلى فن آخر يظهر فيه حرصه على الكلام البليغ، فنرى كيف كان يدرك أن محاسن الرجال لا تتم بغير العقل و البيان.
كتب إليه الصابي يشكو زمنة عرضت له، فقال الشريف يجيبه من قصيد طويل:
لئن نال قبضا من بنانك حادث # لقد عاضنا منك انبساط جنان [١]
و إن بزّ من ذاك الجناح مطاره # فربّ مقال منك ذي طيران [٢]
و إن أقعدتك النائبات فطالما # سر موقرا من مجدك الملوان [٣]
[١] الجنان بالفتح: القلب.
[٢] بز: سلب.
[٣] موقر: مثقل. من قولهم نخلة موقرة إذا كانت كثيرة الثمار. و الملون الليل و النهار.
و لا مفرد له. و من أجل ذلك جاز عود الضمير عليه بالتذكير.