عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٥٦ - الشاعر المثقف
و الشريف حين يمنح القلم هذه الأوصاف إنما يفعل ذلك و هو يتمثل ما صنعت الأقلام في بناء الممالك و الشعوب، و يتصور جناياتها على التيجان و العروش.
و هو أيضا يشعر بمعنى الوصف و معنى البيان، فليست الأوصاف عنده تهاويل و تزاويق، و إنما هي استقراء و استقصاء، و ليس البيان في فهمه ضربا من المحاجاة أو التنميق، و إنما هو كشف و جلاء، نعرف هذا من قوله في خطابه خاله أبي الحسين:
يشيّعني بوصفك كل نطق # و يعرفني بمدحك من رآني
و ليس الوصف إلا بالتناهي # و ليس القول إلا بالبيان
و هو بهذا يثور على التقاليد الأدبية التي شاعت في القرن الرابع، و كانت تعتمد على البهرج و البريق.
و كان مع فهمه لقيمة البيان ذلك الفهم يدرك تمام الإدراك أن البيان يوجب على طالبه أن يكدّ خاطره في تصيّد كرائم المعاني و تحيّر الألفاظ الصّحاح التي لا يصلح بغيرها أداء، نفهم ذلك من قوله عتاب الخليفة الطائع للّه:
فالآن منك اليأس ينقع غلّتي [١] # و اليأس يقطع غلّة الظمآن
فاذهب كما ذهب الغمام رجوته # فطوى البروق و ضنّ بالتّهتان
أو بعد أن أدمى مديحك خاطري # بصقال لفظ أو طلاب معاني
و في هذا المعنى نفسه يقول في مدح أبيه:
قدها فغرّتها من الكلم الجنى # و حجولها من صنعة و معاني [٢]
[١] الغلة بالضم: الظمأ الشديد.
[٢] الغرة: البياض في جبين الفرس. و الحجول جمع حجل بالكسر و هو البياض في قوائم الفرس.