الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٨١ - المتن
و بكاؤها يشتدّ. فجلست سبعة أيام لا يهدي لها أنين و لا يسكن منها حنين، و كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول.
فلما كان في الثامن، أبدت ما كتمت من الحزن. فلم تطق صبرا إذ خرجت و صرخت؛ فكأنها من فم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تنطق. فتبادرت النسوان و خرجت الولائد و الولدان، و ضجّ الناس بالبكاء و النحيب، و جاء الناس من كل مكان، و أطفيت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النساء، و خيّل إلى النسوان أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد قام من قبره، و صار الناس في دهشة و حيرة لما قد رهقهم، و هي تنادى و تندب أباه: وا أبتاه، وا صفياه، وا محمداه، و أبا القاسماه وا ربيع الأرامل و اليتامى. آه، من للقبلة و المصلّى، و من لابنتك الوالهة الثكلى.
ثم أقبلت تعثر في أذيالها و هي لا تبصر شيئا من عبرتها و من تواتر دمعتها، حتى دنت من قبر أبيها محمد (صلّى اللّه عليه و آله). فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة، فقصر خطاها و دام نحيبها و بكاؤها إلى أن أغمي عليها. فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها و على صدرها و جبينها حتى أفاقت و هي تقول:
رفعت قوتي و خانني جلدي و شمت بي عدوي و الكمد قاتلي؛ يا أبتاه! بقيت والهة وحيدة و حيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي و انقطع ظهري و تنغص عيشي و تكدر دهري، فما أجد- يا أبتاه- بعدك أنيسا لوحشتي، و لا رادّا لدمعتي و لا معينا لضعفي، فقد فنى بعدك محكم التنزيل و مهبط جبرئيل و محل ميكائيل؛ انقلبت بعدك- يا أبتاه- الأسباب و تغلّقت دوني الأبواب، فأنا للدنيا بعدك قالية، و عليك ما تردّدت أنفاسي باكية؛ لا ينفد شوقي إليك و لا حزني عليك.
ثم نادت: يا أبتاه و الباه، ثم قالت:
إن حزني عليك حزن جديد * * * و فؤادي و اللّه صبّ عنيد
كل يوم يزيد فيه شجوني * * * و اكتيابي عليك ليس يبيد
جلّ خطبي فبان عني عزائي * * * فبكائي كل وقت جديد
إن قلبا عليك يألف صبرا * * * أو عزاء فإنه لجليد