المغازي - الواقدي - الصفحة ٩٢٠ - غزوة حنين
(١) اللّه، إنّى لم أجد لما فعل هذا شبها فى غرّة [١] الإسلام إلّا غنما وردت فرميت أولاها، فنفرت أخراها [٢]، فاسنن اليوم و غيّر غدا [٣] فرفع رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يده فقال: تقبلون الدّية خمسين فى فورنا هذا و خمسين إذا رجعنا المدينة! فلم يزل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بالقوم حتى قبلوها.
و محلّم بن جثامة القاتل فى طرف الناس، فلم يزالوا يرونه و يقولون:
ايت رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يستغفر لك. فقام محلّم فقام رجل طويل، آدم [٤]، محمرّ بالحنّاء، عليه حلّة، قد كان تهيّأ فيها للقتل للقصاص، حتى جلس بين يدي النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )و عيناه تدمعان، فقال: يا رسول اللّه، قد كان من الأمر الذي بلغكم، فإنى أتوب إلى اللّه تعالى فاستغفر لى. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: ما اسمك؟ قال:
أنا محلّم بن جثّامة. قال: قتلته بسلاحك فى غرّة الإسلام! اللّهم، لا تغفر لمحلّم! بصوت عال يتفقد به الناس. قال، فقال: يا رسول اللّه، قد كان الذي بلغك، و إنى أتوب إلى اللّه تعالى فاستغفر لى. فعاد رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بصوت عال يتفقّد به الناس: اللّهمّ، لا تغفر لمحلّم! حتى كانت الثالثة. قال: فعاد رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )لمقالته. ثم قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: قم!
فقام من بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو يتلقّى دمعه بفضل ردائه. و كان ضمرة
[١] غرة الإسلام: أوله. (النهاية، ج ٣، ص ١٥٥).
[٢] فى الأصل: «فرميت فنفر أحدهما»، و ما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ٢٧٦).
[٣] أى اعمل بسنتك التي سننتها فى القصاص، ثم بعد ذلك إذا شئت أن تغير فغير. (النهاية ج ٢، ص ١٨٦).
[٤] الآدم من الناس: الأسمر. (الصحاح، ص ١٨٥٩).