المغازي - الواقدي - الصفحة ٩٩١ - غزوة تبوك
(١)
على القتال و الجهاد، و رغّبهم فيه، و أمرهم بالصّدقة، فحملوا صدقات كثيرة، فكان أوّل من حمل أبو بكر الصدّيق رضى اللّه عنه، جاء بماله كلّه أربعة آلاف درهم، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: هل أبقيت شيئا؟ قال: اللّه و رسوله أعلم! و جاء عمر رضى اللّه عنه بنصف ماله، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: هل أبقيت شيئا؟ قال: نعم، نصف ما جئت به. و بلغ عمر ما جاء به أبو بكر فقال: ما استبقنا إلى الخير قطّ إلّا سبقني إليه. و حمل العبّاس بن عبد المطّلب (عليه السلام) إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )مالا، و حمل طلحة بن عبيد اللّه إلى النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )مالا، و حمل عبد الرحمن بن عوف إليه مالا، مائتي أوقية، و حمل سعد بن عبادة إليه مالا، و حمل محمّد بن مسلمة إليه مالا. و تصدّق عاصم ابن عدىّ بتسعين و سقا تمرا. و جهّز عثمان بن عفّان رضى اللّه عنه ثلث ذلك الجيش، فكان من أكثرهم نفقة، حتى كفى ذلك الجيش مؤونتهم، حتى إن كان ليقال: ما بقيت لهم حاجة! حتى كفاهم شنق [١] أسقيتهم.
فيقال: إنّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قال يومئذ: ما يضرّ عثمان ما فعل بعد هذا!
و رغب أهل الغنى فى الخير و المعروف، و احتسبوا فى ذلك الخير، و قوّوا أناس دون هؤلاء من هو أضعف منهم، حتى إنّ الرجل ليأتى بالبعير إلى الرجل و الرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تتعاقبانه [٢]، و يأتى الرجل بالنّفقة فيعطيها بعض من يخرج، حتى إن كنّ النساء ليعنّ بكلّ ما قدرن عليه
[١] شنق: جمع شناق، و هو الخيط أو السير الذي تعلق به القربة، و الخيط الذي يشد به فمها. (النهاية، ج ٢، ص ٢٣٩).
[٢] فى الأصل: «تتعقبانه».