المغازي - الواقدي - الصفحة ١٠٠١ - غزوة تبوك
(١) فأوصاهما فقال: اغسلانى و كفناني، ثم ضعانى على قارعة الطريق إذا أنا متّ. و أقبل ابن مسعود فى رهط من العراق عمارا، فلم يرعهم إلّا بالجنازة على قارعة الطريق قد كادت الإبل تطؤها، فسلّم القوم فقام إليهم غلامه فقال لهم: هذا أبو ذرّ صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فأعينونى عليه! فاستهلّ ابن مسعود يبكى و يقول: صدق رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )«أبو ذر يمشى وحده، و يموت وحده، و يبعث وحده». ثم نزل هو و أصحابه حتى واروه، ثم حدّثهم ابن مسعود حديثه، و ما قال له رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فى مسيره إلى تبوك.
و كان أبو رهم الغفارىّ- و هو كلثوم بن الحصين، قد بايع رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )تحت الشجرة- فقال: غزوت مع رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )تبوكا. قال: فسرت ذات ليلة معه، و نحن بالأخضر [١]، و أنا قريب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و ألقى علىّ النّعاس، فطفقت أستيقظ و قد دنت راحلتي من راحلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فيفزّعنى دنوّها منه خشية أن أصيب رجله فى الغرز، فطفقت أحوز [٢] راحلتي حتى غلبتني عيناي فى بعض الطريق و نحن فى بعض الليل، فزاحمت راحلتي راحلته و رجله فى الغرز، فما استيقظت إلّا بقوله: حسّ [٣]! فقلت:
يا رسول اللّه، استغفر لى! فقال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )سر! فجعل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يسألنى عمّن تخلّف من بنى غفار،
____________
[١] الأخضر: منزل قرب تبوك، بينه و بين وادي القرى. (معجم البلدان، ج ١، ص ١٥٢).
[٢] أى أبعد. (شرح أبى ذر، ص ٤٢٥).
[٣] حس: كلمة تقولها العرب عند وجود الألم، و فى الحديث أن طلحة لما أصيبت يده يوم أحد قال: حس. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٣٢١).