المغازي - الواقدي - الصفحة ١٠٠٠ - غزوة تبوك
(١) و لمّا مضى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )من ثنيّة الوداع سائرا، فجعل يتخلّف عنه الرجال فيقولون: يا رسول اللّه، تخلّف فلان! فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه بكم، و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه! فخرج معه ناس من المنافقين كثير لم يخرجوا إلّا رجاء الغنيمة.
و كان أبو ذرّ يقول: أبطأت فى غزوة تبوك من أجل بعيري، كان نضوا [١] أعجف، فقلت: أعلفه أيّاما ثم ألحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.
فعلفته أيّاما ثم خرجت، فلمّا كنت بذي المروة عجز بى، فتلوّمت عليه يوما فلم أربه حركة، فأخذت متاعي فحملته على ظهري، ثم خرجت أتبع رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )ماشيا فى حرّ شديد، و قد تقطّع الناس فلا أرى أحدا يلحقنا من المسلمين، فطلعت على رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )نصف النهار و قد بلغ منّى العطش، فنظر ناظر من الطريق فقال:
يا رسول اللّه، إنّ هذا الرجل يمشى على الطريق وحده. فجعل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يقول: كن أبا ذرّ! فلمّا تأمّلنى القوم قالوا: يا رسول اللّه، هذا أبو ذرّ! فقام رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )حتى دنوت منه فقال: مرحبا بأبى ذرّ! يمشى وحده، و يموت وحده، و يبعث وحده! فقال: ما خلّفك يا أبا ذرّ؟ فأخبره خبر بعيره، ثم قال: إن كنت لمن أعزّ أهلى علىّ تخلّفا، لقد غفر اللّه لك يا أبا ذرّ بكلّ خطوة ذنبا إلى أن بلغتني. و وضع متاعه عن ظهره ثم استسقى [٢]، فأتى بإناء من ماء فشربه، فلمّا أخرجه عثمان رضى اللّه عنه إلى الرّبذة فأصابه قدره لم يكن معه أحد إلّا امرأته و غلامه،
[١] النضو: الدابة التي أهزلتها الأسفار و أذهبت لحمها. (النهاية، ج ٤، ص ١٥٢).
[٢] فى الأصل: «استلقى»، و ما أثبتناه عن الزرقانى يروى عن الواقدي. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٨٤).