الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٣٢ - البداية و النهاية و البدء هو الغاية
يبقى له لحم و لا عظم إلاّ طينته التي خلق فيها، فإنها لا تبلى، بل تبقى مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة.
أقول: إنّ كلامه-سلام اللّه عليه-هنا شبيه بما تقدم نقله في احتجاجه مع الزنديق حيث يقول الإمام عليه السّلام: إنّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطر الأرض مطر النشور فتربو الأرض، ثمّ تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، و الزبد من اللبن إذا مخض إلى آخره.
و الشيخ رحمه اللّه لم يفسر الحديث المتقدم، و لا ذكر شيئا من المتأخر هنا، بل انتقل إلى إشادة بناء تجسيم الأعمال، و سرد الشواهد عليه و الأدلة، و ينبغي أن يكون مآل الخبرين الشريفين إلى جوهرة واحدة هي أنّ الجرثومة الأولى التي ينشأ شخص الإنسان منها بنشوئها و نموها و يرتقي صاعدا من الجمادية إلى أقصى ما قدّر له من الكمال في الإنسانية التي قد تعلو على الملكية كالبذرة التي تغرس في الأرض الطيبة فتنمو و تتصاعد حتى تثمر ثمرا جنيا، فصارت بعد الموت حياة، و بعد الجمادية نامية، و بعد الشحوب خضرة يانعة، ثمّ إذا فارقته الحياة و خرجت منه الروح تتلاشى لحمه و دمه، بل و كل شيء منه، و لا يبقى في القبر إلاّ بذرته الأولى، و جرثومته السابقة على بساطتها مستديرة على نفسها، و أبسط الأشكال هو المستدير، و لكن علاقتها مع الروح، و ما استفادت بواسطتها من الملكات محفوظة في التراب الذي قبرت فيه، مستكنة في باطنه، فإذا شاء اللّه البعث و نشر الخلائق أمطرت الأرض العناية بالنشور فتمور الأرض مورا، و تسير الجبال سيرا، و جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، فتمخض الأرض مخض السقاء الذي يرج و يهزّ هزا عنيفا لإخراج ما يستكن منتشرا فيه من الزبد،