البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٣٨ - الثالث جواب السيد الشهيد
و حيث إن المكلف لا بد له من موقف عملي تجاه كل واقعة يشك في حكمها، فهو إما أن يفعل أو يترك، فعلى المولى أن يوجه ذلك المكلف الذي اختلطت عنده المباحات بالمحرمات الواقعية. و المولى في هذه الحالة بين أمرين لا ثالث لهما، فهو إما أن يرخّصه في ارتكاب كل ما يحتمل إباحته، و إما أن يمنعه عن ارتكاب كل ما يحتمل حرمته، كأن يقول له في الأول: «كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام» و يقول له في الثاني: «كل شيء تشك في حرمته فهو حرام».
و الطريق الذي يتبعه المولى لتعيين وظيفة المكلف في هذه الحالة، تابع إلى درجة اهتمامه بأغراضه الواقعية، فإن كان مهتماً بأن لا يقع المكلف في مفسدة بأي حال من الأحوال، أي: أن يجتنب المكلف الوقوع في المحرمات الواقعية، فإن هذا يدعوه إلى المنع من كل ما يحتمل المكلف حرمته، و يوجه إليه خطاباً يكون مفاده المنع عن كل شيء يحتمل حرمته، و هذا لا يعني أن كل ما يحتمل حرمته فهو مبغوض و ذو مفسدة عند المولى، بل هذا من ضيق الخناق على المولى؛ إذ لا طريق لحفظ المكلف من الوقوع في المفاسد الواقعية إلا أن يحرم عليه كل ما يشك و يحتمل حرمته؛ و ذلك لأجل ضمان الاجتناب عن المحرمات الموجودة في دائرة تلك الشبهات و في ضمنها [١].
[١] فمثلًا لو افترضنا أن المكلف حصل له الشك و احتمل الحرمة في مائة مورد، و كانت المحرمات الواقعية في ضمن هذه المائة عبارة عن خمسين مورداً، و الخمسون الأخرى كانت على مباحة واقعاً، و كانت درجة اهتمام المولى بالمحرمات الواقعية و الحفاظ على ملاكاتها أقوى و أشد من درجة اهتمامه بالمباحات الواقعية، فهنا يمنع المكلف عن ارتكاب كل هذه المائة؛ لأجل الحفاظ على تلك المحرمات الواقعية الموجودة في ضمنها، و لكن- و في الوقت نفسه- تبقى المباحات الواقعية على إباحتها.
و لمزيد من التوضيح إليك المثال التالي:
لو افترضنا أن المولى قد علم بأنّ أحداً غير معيّن يريد قتله في هذا اليوم، فإنّه في هذه الحالة سوف يأمر عبيده و حرّاسه بأن يمنعوا كلّ أحد يريد الدخول عليه في ذلك اليوم و إن كان في منع البعض منهم خسارة كبيرة له، فإنّ اهتمامه الشديد بحفظ حياته، هو الذي دعاه إلى ذلك، و لكن هذا لا يعني أنّ كل من يريد الدخول عليه في هذا اليوم عدوٌّ له و يريد قتله، و إنّما شمل المنع حتى مَنْ كان صديقاً له في الواقع، لأجل غرض أهم و هو التحفّظ على حياته من ذلك العدو الذي افترضنا أنّه لا يعرفه بعينه.