البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٠٩ - دور الاعتبار في تحديد مصب حق الطاعة
المكلف و تبليغه به، و الخطابات الشرعية هي المتكفلة لهذه المرحلة.
و أما مرحلة الثبوت له، فهي تشتمل على ثلاثة عناصر:
الأول: الملاك، و نعني به ما يقتضي تشريع الحكم و جعله، و هو عبارة عن المصلحة المقتضية للإيجاب في الوجوب، و المفسدة المقتضية للتحريم في الحرمة ... و هكذا.
الثاني: الإرادة، و هي- في الحكم بالوجوب مثلًا- عبارة عن تعلق إرادة المولى بذلك الفعل الذي أدرك فيه المصلحة المقتضية لإيجابه.
الثالث: الاعتبار، و هو عبارة عن عملية نفسية مفادها اعتبار الفعل في ذمة المكلف، و التي يكشف عنها بقوله- مثلًا-: «اعتبرت وجوب الحج على المستطيع» أو بقوله: «لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا»، من دون أن يقول: «اعتبرت»، فإن مثل هذا القول يكشف عن اعتبار لوجوب الحج في ذمة المستطيع أيضاً، شأنه شأن المثال الأول.
و مرّ بنا أيضاً، أن روح الحكم و حقيقته تتمثّل بالعنصرين الأول و الثاني، أي: الملاك و الإرادة، و أما العنصر الثالث من عناصره في تلك المرحلة، فهو ليس عنصراً ضرورياً، و إنما يقوم بدور تنظيم و صياغة جعل الأحكام و تشريعها؛ فهو يُستخدم كعمل صياغي و تنظيمي كما اعتاد العقلاء ذلك في تشريعاتهم؛ حيث إنهم بعد ما يدركون وجود مصلحة في أمر ما و تتعلق إرادتهم به و يحكمون بوجوبه، يحاولون صياغة هذا الحكم و جعله على موضوعه قبل مرحلة تبليغه و نشره، لكي يسهل بعد ذلك نشره؛ لكي يسهل بعد ذلك نشره و إيصاله إلى من يتعلق بهم هذا الحكم، فلو تأملت قليلًا في التشريعات العقلائية لوجدت هذه المراحل جلية و واضحة فيها، و لوجدت أيضاً أنّ دور الجهة المشرّعة يكمن أساساً في العنصرين الأول و الثاني، أي إدراكهم للمصلحة و تشخيصهم لها، و تعلّق إرادتهم بتشريع القانون الذي يتم من خلاله استيفاء تلك المصلحة، و بهاتين المرحلتين- إدراك المصلحة بالفعل و تعلّق الإرادة بذلك الفعل- يكون التشريع قد تمّ حقيقةً، نعم يتم بعد ذلك صياغته بالشكل الذي يفهم منه ذلك التشريع بنحو يكون كاشفاً عن إرادة المشرّع، و يفهم منه المعني