البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٤٢ - الثالث جواب السيد الشهيد
الاختلاط و الاشتباه الذي يحصل عند المكلف، عند عدم تمييزه بين المباحات الواقعية و بين المحرمات و الواجبات الواقعية.
و اتضح الرد إذن:
أولًا: على محذور التضاد
و بهذا، يندفع محذور التضاد الذي أورد على جعل الأحكام الظاهرية؛ لأنه مترتب على افتراض وجود ملاكين، يرجع أحدهما للحكم الواقعي و الآخر للحكم الظاهري، و اجتماعهما على شيء واحد، و في المقام- و من خلال ما بيّناه-، ليس الأمر كذلك، بل الملاك واحد و هو ملاك الحكم الواقعي، و ليس في الحكم الظاهري ملاك يخصه وراء ملاكات الأحكام الواقعية [١]، وعليه، فلا تنافي بين الأحكام الواقعية على تقدير ثبوتها و بين الأحكام الظاهرية المجعولة في موردها.
[١] اعلم أن الأحكام الواقعية تابعة لملاكات في متعلقاتها هي التي اقتضت جعلها و تشريعها من قبل المولى سبحانه و تعالى، و هذه المرتبة من الملاكات- أي: مرتبة الاقتضاء- تشترك فيها جميع الأحكام الواقعية بدون أي تمايز يذكر بينها، باعتبار أن كلًا من تلك الملاكات اقتضى جعل حكم على طبقه، و لكن هناك مرتبة أخرى تمتاز بها بعض الملاكات عن غيرها، و هي كونها- بنظر المولى- أهم من غيرها؛ لأن تلك الملاكات و إن اشتركت في ما بينها من حيث كونها مقتضية لجعل تلك الأحكام الواقعية، لكنّها قد تختلف في ما بينها من حيث أن بعضها أهم من غيره، و هذه الأهمية تظهر فائدتها عند حصول التزاحم في مقام حفظ تلك الملاكات بسبب الاختلاط الذي يحصل عند المكلّف بعد فرض عدم إمكان حفظها جميعاً و أن خسارة المولى لبعضٍ منها أمر لا مفرّ منه، فمن الطبيعي في مثل هذه الحالة سوف يضطر المولى إلى الترجيح في ما بينها و سوف يكون الترجيح لصالح الملاك الأهم، و هذا يعني أن الملاك بمرتبته الأولى اقتضى جعل حكم واقعي على طبقه و بمرتبته الثانية اقتضى جعل حكم ظاهري على طبقه.
و بهذا يتضح معنى ما ذكرناه من أن ملاكات الأحكام الظاهرية هي نفس ملاكات الأحكام الواقعية، و أنه لا يوجد سوى ملاك واحد، و هو ليس إلا ملاك الحكم الواقعي عند ما يكون بدرجة من الأهمية بحيث لا يرضى المولى بفواته أو ضياعه بأي حال من الأحوال.