البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٧٩ - تفصيل صاحب الكفاية بين الأمارة و الأصل العملي
الثوب الذي صلّى فيه اعتماداً على أصالة الطهارة، فإنّه لا يجب عليه إعادة الصلاة، لأنها واجدة لشرطها بحسب الفرض، و لو لا هذه التوسعة في دائرة الموضوع الواقعي، لكان مقتضى القاعدة- عند انكشاف خلاف الحكم الظاهري- هو وجوب الإعادة؛ لأنّ جعل الأحكام الظاهريّة إنّما هو لأجل الحفاظ على الواقع، فلو تبيّن خلاف ذلك و فوات الواقع، كان مقتضى القاعدة وجوب الإعادة، لأجل تدارك الواقع.
هذا فيما لو ثبتت طهارة الثوب بالأصل العملي.
تفصيل صاحب الكفاية بين الأمارة و الأصل العملي:
قوله (قدس سره) ص ٤٠: (و ليس الأمر كذلك لو ثبتت ... الخ).
أما لو ثبتت طهارة الثوب بالأمارة فقط [١]، كما لو أخبره الثقة بأن هذا الثوب طاهر،
و اعتمد على قوله- بناءً على القول بأنّ خبر الثقة حجة في الموضوعات كما هو حجة في الأحكام [٢]-، و صلى المكلف بهذا الثوب، فإنّ صلاته سوف تكون صحيحة
[١] الظاهر أنّ قوله «فقط»، كان احترازاً عمّا لو ثبتت طهارة الثوب بالأمارة- كخبر الثقة- و كان أيضاً هناك أصل عملي يمكن الرجوع إليه لإثبات طهارة الثوب عند الشك في طهارته- كأصالة الطهارة-، ففي مثل هذه الحالة، لا تجب إعادة الصلاة لو انكشف الخلاف؛ لأنها واجدة لشرطها بفضل أصالة الطهارة كما تقدّم في الحالة السابقة.
و هذا بخلاف ما لو ثبتت طهارته بالأمارة فقط؛ بحيث لا يوجد- بقطع النظر عن مجيء الأمارة- أي أصل عملي ينقح ذلك الموضوع و يثبت طهارة الثوب، كما لو افترضنا عدم جريان مثل أصالة الطهارة و غيرها من الأصول الجارية في الشبهات الموضوعيّة في المقام، فإنّ صلاته بهذا الثوب في مثل هذه الحالة تكون صحيحة ظاهراً لا واقعاً، فلو انكشف الخلاف، وجب عليه الإعادة.
أقول: إذا كان هذا هو الهدف من قوله: (فقط)، فإنّ مثل هذا الكلام لا محصّل له كما هو واضح؛ إذ أنّه مع فرض وجود الأمارة في المورد، يصبح وجود الأصل في هذه الحالة كعدمه؛ لأنّ المهم في البين هو عدم جريان الأصل في المورد، و من المعلوم أنّ عدم جريانه ليس من الضروري أن يستند إلى عدم وجوده، بل يكفي فيه وجود المانع من الجريان، و وجود أمارة على طهارة الثوب بنفسها تكون مانعة عن جريان مثل أصالة الطهارة، و هذا يعني أنّه لا وجه معقول لقوله: (فقط). ثم إنّ هذا القيد لم يرد في كلمات صاحب الكفاية، و إنّما ورد فقط في كلمات السيد الشهيد كما جاء في المتن.
[٢] وقع الخلاف في أنّ خبر الثقة إذا كان حجّة في الأحكام- أي كونه حجّة إذا كان مفاده ثبوت حكم شرعي أو نفيه- فهل هو حجّة في الموضوعات- أيضاً- أم لا؟ بمعنى: أن خبر الثقة إذا كان مفاده إثبات موضوع لحكم شرعي، فهل هو حجّة في إثبات ذلك الموضوع، فيترتب الحكم الشرعي عليه؟، فمثلًا: حكم الشارع بنجاسة الماء القليل، موضوعه وقوع النجاسة فيه أو ملاقاتها له، فلو أخبرنا الثقة بوقوع نجاسة- كالدم مثلًا- في ماء قليل معيّن، فهل يكون هذا الخبر حجّة في إثبات وقوع النجاسة و بالتالي الحكم بنجاسة مثل ذلك الماء؟ أم أنّ خبر الثقة حجّة في باب الأحكام فقط؟
فإن قلنا: إنه حجة في باب الأحكام فقط، فهذا يعني أن موضوعات الأحكام لا بد أن تثبت بالبينة و لا يكفي في إثباتها مجرد خبر الثقة.
و إن قلنا: بشموله للموضوعات أيضاً، فهذا يعني الاكتفاء بخبر الثقة لإثبات موضوعات الأحكام.
و قد ذهب السيّد الشهيد إلى أنّ خبر الثقة حجّة مطلقاً سواء كان ذلك في الموضوعات أم في الأحكام، و استدل لذلك بدعوى وجود سيرة عقلائيّة على العمل بخبر الثقة في الموضوعات و عدم اختصاصها بباب الأحكام.