البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٧٤ - عدم وقوع الأحكام الظاهرية موضوعاً مستقلًا لوجوب الطاعة
و يتورط نتيجة لذلك في ترك الواجب الواقعي- على تقدير ثبوته-، فإنّه لا يكون مستحقاً لعقابين، أحدهما بلحاظ مخالفته لنفس الوجوب الواقعي و الآخر لمخالفته لنفس الحكم الظاهري أي: وجوب الاحتياط، و إنّما هو عقاب واحد على مخالفته للوجوب الواقعي ( [١] (، إذ أنّه لو كان مستحقاً لعقابين، لكان حاله أشد و أسوأ ممن علم بالوجوب الواقعي و خالفه؛ فإنّ هذا الأخير لا يستحق إلّا عقاباً واحداً هو العقاب على مخالفة نفس الوجوب الواقعي؛ لأنه لم يخالف غيره بحسب الفرض، و لا يعقل أن
يعاقب الجاهل عقابين، و العالم عقاباً واحداً، و هذا ينتج أن الأحكام الظاهرية طريقية، و أنّ الهدف منها تسجيل الواقع المشكوك و إدخاله في عهدة المكلف.
و أما الأحكام الواقعية، فحيث إن لها مبادئ خاصة مستقلة بها، فهي أحكام حقيقية لا طريقية، و من أجل ذلك أصبحت تشكل موضوعاً مستقلًا لحكم العقل للدخول في عهدة المكلف و اشتغال ذمته بها، و هو يقتضي حكم العقل بوجوب امتثالها تفريغاً للذمة، و يقتضي أيضاً استحقاق العقاب على مخالفتها.
و بهذا يتضح الهدف من جعل الأحكام الظاهرية، كما تبيّنت وظيفتها الأساسية، من التنجيز و التعذير بلحاظ الأحكام الواقعية المشكوكة، و تجلّى- أخيراً- الفرق بينها و بين الأحكام الواقعية.
[١] إن قلت: إنّه لو لم يكن الوجوب الواقعي ثابتاً، فمخالفة وجوب الاحتياط لا توجب تورّط المكلّف بمخالفة الواقع، وعليه فالمفروض أن لا يستحق المكلّف العقاب؛ لأنّ ما يوجب مخالفته العقاب و هو الواجب الواقعي، غير ثابت- بحسب الفرض-، و ما وقعت مخالفته بالفعل و هو وجوب الاحتياط، لا يوجب عقاباً؛ لأنه لم يقع موضوعاً مستقلًا لحكم العقل بوجوب الطاعة.
كان الجواب: إنّ مخالفة إيجاب الاحتياط بما هي مخالفة له، و إن لم تكن توجب عقاباً، و لكن هذا لا ينفي العقاب بملاك آخر كالتجري؛ فإنّ المكلّف الذي يخالف إيجاب الاحتياط، من أين له أن يعلم عدم ثبوت الواقع الذي تنجّز بسبب جعل إيجاب الاحتياط تجاه الواقع المشكوك و إدخاله في عهدة المكلّف، فيكون انتهاكه لمولوية المولى حينئذٍ على حدّ انتهاك مَنْ عَلِمَ بالوجوب الواقعي و خالفه، فهو- إذن- يستحق العقاب لأجل تجريه، بناءً على أنّ التجري إنّما هو مخالفة مطلق ما قامت عليه الحجّة، و ليس مختصاً بمخالفة القطع، و بناءً على أن المتجري يستحق العقاب شأنه في ذلك شأن العاصي.