البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٥ - مذهبان للقائلين بالتبعية
البحث نبيّن فيها أمرين:
الأمر الأول: تبعية الأحكام الواقعية للمصالح و المفاسد في متعلقاتها
المعروف عن جمهور العدليّة و بعض الأشاعرة [١]، أن الأحكام الواقعية تابعة للمصالح و المفاسد، بمعنى أن الأحكام الإلهية لا تصدر منه تشهياً و اعتباطاً و عبثاً و بلا أن تكون هناك مصالح تترتب عليها، و بالمقابل، فقد أدّعي أنّ أحكامه تعالى لا تعلل بالأغراض؛ فبالإمكان أن يأمر بشيء لا يكون فيه أية مصلحة، أو ينهى عن شيء من دون أن تكون فيه أية مفسدة [٢].
مذهبان للقائلين بالتبعية:
ثم إن القائلين بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، ذهب المشهور منهم إلى أنها تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، بمعنى أنّ المصلحة أو المفسدة تكمن في نفس الفعل الذي تعلّق به الأمر أو النهي [٣].
و في مقابل المشهور، من لا يدّعي أكثر من وجود مصلحة في تشريعاتها من دون أن يحدد مركز تلك المصلحة، خلافاً للمذهب المشهور الذي يحدد مركز تلك المصالح و المفاسد و يقول أنها تكمن في المتعلق [٤]، أي: الفعل الذي تعلق به الأمر أو
[١] قال المحقّق النائيني في فوائد الأصول ج ٣ ص ٥٧: «و لمّا كان هذا القول أي عدم التبعية- في غاية السخافة و السقوط، أعرض عنه المحقّقون من الأشاعرة و التزموا بثبوت المصالح و المفاسد، و لكن اكتفوا بالمصلحة و المفسدة النوعيّة القائمة بالطبيعة في صحّة تعلّق الأمر ببعض أفراد تلك الطبيعة»
[٢] هذا القول نسبه المحقق النائيني إلى بعض الأشاعرة حسب ما جاء عنه في فوائد الأصول: ج ٣ ص ٥٧ و ٥٨، ثم أورد عليه إيرادين:
الأول: كونه من الترجيح بلا مرجّح، و هو غير معقول.
الثاني: إمكان دعوى تواتر الأخبار على خلافه، كقوله: «ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة و يبعّدكم عن النار إلّا و قد أمرتكم به»، الوسائل: الباب ١٢ من أبواب مقدمات التجارة، حديث ٢
[٣] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول ج ٣، ص ٥٩: «أنّه لا سبيل إلى إنكار تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في المتعلقات؛ فإنّ في الأفعال في حد ذاتها مصالح و مفاسد كامنة مع قطع النظر عن أمر الشارع و نهيه»
[٤] و هناك مَنْ ذهب و لو بنحو الموجبة الجزئية إلى تبعيّة الأوامر و النواهي لمصالح في نفسها من دون أن تكون هناك مصلحة في المتعلّق، بل المصلحة في نفس الأمر و النهي، و مثّل لذلك بالأوامر الامتحانية.