البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٩ - الثانية محاولة السيد الخوئي
فينتج: إنّ إطلاق (صلّ) لمورد الصلاة في الأرض المغصوبة حجّة، و إطلاق (لا تغصب) حتى في حال الصلاة حجّة [١].
إذن، على كلا القولين- أي القول بالامتناع أو القول بالجواز-، لا تقع نتيجة البحث عن مسألة اجتماع الأمر و النهي إلّا صغرى في قياس الاستنباط، غايته أن الكبرى تختلف باختلاف القولين، و لازم ذلك خروجها عن المسائل الأصولية، مع أنها من أُمّهات المسائل الأصولية.
وعليه، فما الفرق بين هذه الموارد المتقدّمة و بين المسائل اللغوية؟
فهذه المحاولة- إذن- غير موفّقة للتغلّب على الاعتراض المذكور، بل حوّلت التعريف من كونه غير مانع إلى كونه غير جامع، و هو ليس بأقل محذوراً، فهي أشبه مما يكون بهروب المرء من ماء المطر إلى ماء الميزاب.
الثانية: محاولة السيد الخوئي (قدس سره) [٢]
و هي عبارة عن إضافة قيد جديد إلى التعريف، و هو: «عدم الاحتياج إلى ضميمة
أُصولية أُخرى في قياس الاستنباط»، فيكون ضابط المسألة الأصولية- بناءً على ذلك- هو: أنْ لا تحتاج إلى ضميمة أخرى عند استنباط الحكم الشرعي منها [٣]. و لذا
[١] و يترتب على ذلك أنه لو صلّى المكلف في الأرض المغصوبة لكان ممتثلًا للأمر و عاصياً للنهي، فتكون النتيجة الاجتزاء بالفرد المحرّم أي أنَّ صلاته صحيحة و إن كان قد أرتكب محرّماً
[٢] المحاضرات: ج ١، ص ٨. و دراسات في علم الأصول: ج ١، ص ٢٤
[٣] إن قلت: إن ذلك يستلزم الدور؛ لأن معرفة كون المسألة أصوليّة أم لا يتوقف على تشخيص المسألة الأصولية في المرتبة السابقة، لكون المناط في أصوليتها- بحسب الفرض- هو عدم احتياجها إلى مسألة أصوليّة أخرى، و هذا يعني توقف معرفة كون المسألة أصوليّة أم لا على معرفة المسألة الأصولية، و هذا هو الدور.
كان الجواب: إن المقصود بعدم الاحتياج إلى ضميمة أصوليّة أخرى، هو عدم احتياج المسألة في مقام استنباط الحكم الشرعي منها إلى غير صغراها المنقحة لموضوعها. فكل مسألة لم تحتج في مقام استنباط الحكم الشرعي منها إلّا إلى صغراها المنقحة لموضوعها فهي مسألة أصولية. فمثلًا استنباط الحكم الشرعي من صيغة «افعل» فيما لو وردت في دليل قطعي السند، ليس بحاجة إلى شيء آخر غير صغراها المنقّحة لموضوعها. و ليس بحاجة بعد ذلك إلى كبرى حجّية الظهور؛ لأنها مسلّمة عنده، فلا تكون من المسائل الأصولية كما سوف يأتي منه ذلك. فيكفي لاستنباط الحكم الشرعي بالوجوب من صيغة «افعل» أن نقول:
صيغة «افعل» ظاهرة في الوجوب «كبرى»
و «تيمّموا» من صيغة «افعل» «صغرى»
فينتج: «تيمّموا» ظاهر في وجوب التيمم.
فيتم استنباط وجوب التيمم اعتماداً على ظهور صيغة افعل في الوجوب بمجرد ضم صغراها إليها من دون حاجة إلى مسألة أصولية أخرى. وعليه فيكون ظهور «افعل» في الوجوب من المسائل الأصولية. و أما احتياجها إلى كبرى حجّية الظهور فلا يضر في أصوليتها لما سيأتي من أن حجّية الظهور ليست من المسائل الأصولية.
و إلى هذا المعنى أشار- بحسب ما جاء في دراسات في علم الأصول: ج ١ ص ٢٥- حيث قال: «و بالجملة فالميزان في المسألة الأصولية أن تكون بحيث لو انضمَّ إليها صغراها أنتجت حكماً فرعياً كلياً». كما في حجّية خبر الثقة مثلًا. فلاستنباط الحكم الشرعي منها لا تحتاج إلّا إلى صغراها كما لو ورد خبر ثقة قطعي الدلالة على الحكم الشرعي إنّ الإمام (عليه السلام) يقول: «يجب الدعاء عند رؤية الهلال» ففي مقام استنباط الحكم الشرعي منه نقول:
الدعاء مما قام على وجوبه خبر الثقة «صغرى»
و كل ما قام على وجوبه خبر الثقة فهو حجّة «كبرى»
فتكون النتيجة أن الدعاء عند رؤية الهلال واجب. فقد تمَّ استنباط الحكم الشرعي من مسألة حجّية خبر الثقة من دون حاجة إلى ضميمة أخرى غير صغراها المنقحة لموضوعها فهي من المسائل الأصولية إذن.
و بهذا التفسير لعدم الاحتياج، لا يلزم دوريّة التعريف كما هو واضح؛ إذ لم يتوقف معرفة كون المسألة أصولية أم لا على تشخيص المسألة الأصولية في المرتبة السابقة، كما وضّحنا ذلك في المثال المتقدّم.