البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٣ - دور الاعتبار في تحديد مصب حق الطاعة
المولى أنه سوف يؤدي إلى مراده، كأن يقول له: «افتح الحنفية التي في الحديقة»، مع علم المولى بأنّ فتح الحنفيّة سوف يؤدي إلى تحقق مراده و هو السقي بحسب الفرض. فعلى الأول، يكون مصب حق الطاعة هو «السقي»، و هو متحد مع مصب إرادته، باعتبار أنّ الغرض الأساسي للمولى و مراده الواقعي هو السقي بحسب الفرض و هو نفسه الذي أدخله المولى في عهدة المكلّف، و على المكلف أن يحقق ذلك الفعل و هو السقي و يكون مخيّراً في كيفية تحقيقه سواءً بفتح الحنفية أم بغيرها من الوسائل الأخرى. و على الثاني، يكون المطلوب من المكلف هو «فتح الحنفية»؛ لأنه هو الذي أدخله المولى في عهدته و هو الذي يكون المركز و المصب لحق الطاعة و إن كان مغايراً لمصب إرادته و متعلقها [١].
و على هذا، فكما أن للمولى حق الطاعة فيما يريده من المكلف، فإنّ له حق الطاعة فيما حدده مركزاً لذلك الحق، و بعبارة أخرى: أن للمولى حق تحديد مركز مولويّته كيفما شاء، فحق الطاعة ينصب على ما يحدده المولى و يجعله مركزاً لذلك الحق فيدخله في عهدة المكلف.
و الذي يقوم بهذا الدور هو الاعتبار فإنّه الذي يكشف عن ذلك المصب الذي عينه المولى و حدده مركزاً لحق طاعته. و هذا قد يتحد أحياناً مع مراده الأصلي و يكون الاعتبار كاشفاً عنه، و قد يتغاير مع مصب إرادته كما لو تعلقت إرادته بشيء، و لكن اعتبر شيئاً آخر يعلم أنه يؤدي إلى تحقيق مراده كما في المثال المتقدّم، و بهذا تتضح حقيقة العنصر الثالث من عناصر الحكم في مرحلة الثبوت، و الدور المهم الذي يلعبه في تحديد مركز حق الطاعة.
[١] و نضيف هنا مثالًا آخر لتوضيح أمر يترتب على ذلك، و هو إننا لو افترضنا- مثلًا- أن المولى كان عطشاناً و قال لعبده: «ائتني بإناء فيه ماء بارد»، و لم يقل له: «اسقني الماء البارد»، ثم أن العبد رأى المولى قد تناول ماءً بارداً كان بجنبه و شربه، فعلى هذا، لا يسقط التكليف الذي في عهدة العبد و هو «الإتيان بالماء البارد»؛ لأنه هو الذي دخل في عهدته، و كان مصباً لحق طاعته، و هو لم يمتثله بحسب الفرض فيستحق العقاب على المخالفة، و لا يحق له الاعتذار بأن المولى قد حقّق مراده بنفسه؛ إذ بإمكان المولى أن يحتج عليه بأنّه قد أمره بأن يأتيه بالماء البارد و الحال أنّه لم يمتثل ذلك الأمر.