البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٣ - الأولى محاولة المحقق النائيني
انضمت إليها صغرياتها يُستنتج منها حكم شرعي فرعي كلّي» [١]؛ فإنّه (قدس سره) وفقاً لهذا، قد جعل المناط في أصولية المسألة هو وقوعها كبرى في قياس الاستنباط، حيث إنّ القياس يتألف من مقدمتين كبرى و صغرى؛ فما وقع كبرى في القياس هو الذي يكون من القواعد الأصولية دون ما وقع صغرى فيه [٢].
[١] فوائد الأصول: ج ١، ص ٢
[٢] المقصود بقياس الاستنباط- الذي يكون مناطاً لكون كبراه مسألة أصوليّة- ما كان آخر قياس يتم التوصل به إلى الحكم الشرعي، بحيث يتم من خلاله استنباط الحكم الشرعي مباشرةً و تكون نتيجته حكماً شرعياً كلياً؛ و ذلك لأن التوصّل إلى الحكم الشرعي و استنباطه تارةً يكون عن طريق تشكيل قياسين، يثبت أحدهما صدور الدليل من الشارع، و يثبت الآخر دلالته على الحكم الشرعي، كما لو ورد دليل ظني السند و الدلالة على الحكم الشرعي. و تارة أخرى عن طريق قياس واحد كما لو ورد خبر قطعي السند ظنّي الدلالة أو ظني السند قطعي الدلالة.
و توضيح ذلك:
أنّه لو افترضنا أن الثقة قد روى لنا عن الإمام قوله: «إذا رأيت الهلال فادعُ»، فلاستنباط الحكم الشرعي بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال من هذا الخبر لا بدّ من إثبات أمرين:
الأول: صدوره من الشارع.
الثاني: دلالته على الوجوب.
فلإثبات الأمر الأول نقول:
كل ما رواه الثقة فهو حجّة و صادر من الشارع. «كبرى»
و الراوي لهذا الخبر ثقة. «صغرى»
ينتج: أن ما رواه هذا الراوي فهو حجّة و صادر من الشارع.
و لإثبات الأمر الثاني نقول:
كل ظهور حجّة. «كبرى»
و «ادعُ» ظاهر في وجوب الدعاء. «صغرى»
ينتج أن ظهور «ادعُ» في الوجوب حجّة، و بعد إثبات هذين الأمرين نقول:
الدعاء عند رؤية الهلال مما قام على وجوبه خبر الثقة. «صغرى»
و كل ما قام على وجوبه خبر الثقة فهو واجب أو يجب اتباعه. «كبرى»
فيستنتج من تأليف القياس: وجوب الدعاء عند رؤية الهلال. و هذا القياس هو المسمّى ب- (قياس الاستنباط)؛ لأنه قد تم استنباط الحكم الشرعي منه.
و الصغرى المتقدّمة كانت نتيجة القياس الثاني الذي أثبتنا به الدلالة على الوجوب، كما إن الكبرى المتقدّمة كانت نتيجة البحث عن مسألة حجيّة خبر الثقة، و حيث إن مسألة حجيّة خبر الثقة قد وقعت كبرى في قياس الاستنباط تكون من المسائل الأصولية.
أما لو كان قوله: «إذا رأيت الهلال فادعُ» قد وصل إلينا بطريق قطعي كالتواتر- مثلًا-، فحينئذ لو أردنا استنباط الحكم الشرعي منه نقول: «ادع» ظاهر في الوجوب، و كل ظهور حجة، فينتج وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فحيث أنّ حجّية الظهور قد وقعت كبرى في قياس الاستنباط، فهي من المسائل الأصولية إذن.
و بهذا يتضح المراد من كون المسألة الأصولية ما وقع كبرى في قياس الاستنباط.
و إلى ما ذكرنا قد أشار المحقق النائيني في فوائد الأصول ج ١، ص ١٨ حيث قال: «إن علم الأصول يقع كبرى لقياس الاستنباط، و سائر العلوم تقع في صغرى القياس. مثلًا استنباط الحكم الفرعي من خبر الواحد يتوقف على عدّة أمور، فإنّه يتوقف على معرفة معاني الألفاظ التي تضمنها الخبر، و يتوقف أيضاً على معرفة أبنية الكلمات و محلّها من الإعراب ليتميّز الفاعل عن المفعول و المبتدأ عن الخبر، و يتوقف أيضاً على معرفة سلسلة سند الخبر و تشخيص رواته و تمييز ثقتهم عن غيره، و يتوقف أيضاً على حجية الخبر. و من المعلوم: إنّ هذه الأمور مترتبة من حيث دخلها في الاستنباط حسب ترتبها في الذكر، و المتكفّل لإثبات الأمر الأول هو علم اللغة، و لإثبات الثاني هو علم النحو و الصرف، و لإثبات الثالث هو علم الرجال، و لإثبات الرابع الذي يتم به الاستنباط هو علم الأصول، فرتبة علم الأصول متأخرة عن جميع العلوم، و يكون كبرى لقياس الاستنباط».