البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٨٣ - خلاصة البحث في الأمارات و الأصول العمليّة
ثم أنّه قد عرفنا أن الأحكام الواقعيّة متنافية فيما بينها لأجل التضاد و التنافي بلحاظ مبادئ تلك الأحكام، و عرفنا أيضاً أنه لا تنافي بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية، فبقي علينا أن نعرف أن الأحكام الظاهرية هل هي متنافية فيما بينها بحيث لا يمكن اجتماع حكمين ظاهرين كالإباحة و الحرمة؟ أو لا مانع من اجتماعهما؟
و الجواب على هذا السؤال يختلف باختلاف المبنى في تصوير حقيقة الحكم الظاهري و كيفية التوفيق بينه و بين الحكم الواقعي؛ فإن قلنا بأن مبادئ الحكم الظاهري ثابتة في نفس جعله، فلا مانع من اجتماع الحرمة الظاهرية مع الإباحة الظاهرية؛ لأنّ مبدأ كل منهما في نفس جعله، فلا تضاد بينهما، نعم، يشترط عدم وصولهما معاً إلى المكلّف؛ لأنه في حالة وصولهما معاً، فهما متنافيان؛ لأنّ أحدهما- و هو الحرمة- ينجّز و الآخر- و هو الإباحة- يعذّر.
و أما لو قلنا بأن مبادئ الأحكام الظاهرية هي نفس مبادئ الأحكام الواقعيّة على تقدير أهميتها، الموجبة لجعل الحكم الظاهري على طبق الملاك الأهم عند حصول الاشتباه و الاختلاط عند المكلف بين المحرّمات الواقعيّة و المباحات الواقعيّة
الاقتضائية، فإنه لا يمكن أن يجتمع حكمان ظاهريان كالإباحة و الحرمة، سواء وصلا إلى المكلّف أو لم يصلا؛ و ذلك لأنّ الحكم الظاهري بالحرمة يعني أن ملاكات المحرّمات الواقعيّة أهم عند المولى من ملاكات المباحات الواقعيّة، و الحكم الظاهري بالإباحة يعني أن ملاكات المباحات الواقعية هي الأهم، و كيف يمكن أن يكون كل واحد من هذين الملاكين أهم من الآخر؟
ثم أن الأحكام الظاهرية وظيفتها التنجيز و التعذير بلحاظ الأحكام الواقعيّة المشكوكة، و ليست موضوعاً مستقلًا لحكم العقل بوجوب الطاعة و الامتثال في مقابل الأحكام الواقعيّة؛ لعدم وجود مبادئ خاصة به وراء مبادئ الأحكام الواقعيّة، فحكم الشارع بوجوب الاحتياط، وظيفته الإلزام بالتحفظ على الأحكام الواقعية، و استحقاق العقاب على هذا، يكون على عدم التحفظ على الواقع لا على مخالفة نفس الحكم بوجوب الاحتياط بما هو وجوب احتياط، و هذا يعني أن الأحكام الظاهرية طريقية لا حقيقية، فهي مجرد وسائل لتسجيل الواقع و إدخاله في عهدة المكلّف، و لذا، فإنّ من