البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٣٢ - ثانياً دور القطع الموضوعي و وظيفته
حرام»، فإن الموضوع في الأول هو مقطوع الخمرية، و في الثاني هو ذات الخمر، فلو حصل للمكلّف القطع بأنّ هذا المائع خمرٌ، فإنّ مثل هذا القطع بالنسبة إلى الصورة الأولى يكون دخيلًا في فعلية الحرمة، و لولاه لما أصبحت تلك الحرمة فعلية حتى لو كان ذلك المائع خمراً في الواقع؛ و ذلك لأنّ فعلية الحكم تابعة لفعلية و تحقق موضوعه، و الموضوع بحسب الفرض هو مقطوع الخمرية لا ذات الخمر، و أمّا بالنسبة إلى الصورة الثانية فإن فعلية الحرمة ثابتة بمجرّد تحقق الخمر خارجاً و إن لم يعلم به المكلّف؛ لأنّ الموضوع فيها بحسب الفرض هو ذات الخمر، و لا دخل لعلم المكلّف في ذلك؛ فإنّ مرحلة فعلية الحكم منوطة بتحقق موضوع الحكم خارجاً.
و منه يتّضح أن القطع بالخمرية في الصورة الأولى يحقّق موضوع الحرمة؛ لأنّه قد أُخذ في موضوعها، بينما في الصورة الثانية فهو يحقّق العلم بموضوعها؛ لأنّ موضوعها ذات الخمر بقطع النظر عن تعلّق القطع به، نعم، في الصورتين سوف يساهم ذلك القطع في تكوين القطع الطريقي بالحكم الفعلي؛ لأنّ القطع الطريقي بالحكم الفعلي- أي: القطع بالمجعول- يحصل نتيجة القطع بالجعل الشرعي من جهة، و القطع بموضوعه من جهة أخرى، فإذا قطع المكلّف بخمرية مائع معيّن، و قطع أيضاً بالجعل الأول، سوف يصبح الحكم فعلياً نتيجة قطعه بالخمرية، و يحصل له القطع بالحرمة الفعلية أيضاً، و حينئذٍ سوف تتنجّز عليه تلك الحرمة بسبب القطع الطريقي الذي تعلّق بها، و إذا قطع بالجعل الثاني، فإن قطعه بالخمرية سوف يؤدي إلى القطع بالحرمة الفعلية مباشرة من دون أن يكون لقطعه هذا مدخلية في ثبوت الحرمة الفعلية، نعم هو دخيل في تنجّزها عليه.
و بعبارة موجزة: أن القطع بالخمرية في الصورة الأولى دخيل في فعلية الحرمة، بينما في الصورة الثانية فهو دخيل في العلم بفعليتها [١].
[١] ينبغي التفريق هنا بين أمرين دقيقين، هما: فعليّة الحكم و العلم بالفعليّة؛ فإن فعلية كل حكم تابعة لفعلية موضوعه واقعاً، فبمجرد انطباق الكبرى، و هي: «الجعل الشرعي»، على الصغرى، و هي: «الموضوع الذي في أخذ ذلك الجعل»، يتحقق المجعول- أي الفعليّة- عَلِمَ المكلّف بذلك أو لم يعلم. فمثلًا، لو قال الشارع: «المستطيع، يجب عليه الحجّ»، و لم نعلم بذلك الجعل الشرعي، و وجد مكلّف مستطيع في الخارج، أي: تحققت صغرى الجعل الشرعي المتقدّم، فهنا، يصبح وجوب الحجّ فعلياً في ذمة ذلك المكلّف؛ و ذلك لأن فعلية الحكم تابعة لفعلية موضوعه.
فالفعليّة- هنا- لا تتوقف على العلم لا بالجعل و لا بموضوعه، بل هي تابعة لوجودهما واقعاً، فكما أن المعلول تابع في وجوده لوجود علته، علمنا بوجود العلّة أو لم نعلم، فكذلك فعليّة الحكم، تابعة لفعلية موضوعه علمنا بذلك أو لم نعلم؛ لأن علاقة الحكم بموضوعه بمثابة علاقة المعلول بعلته.
و أما بالنسبة للعلم بفعلية الحكم، فهي تابعة للعلم بالجعل الشرعي، أي: الكبرى، و العلم بموضوعه، أي: الصغرى، و ما لم يحصل العلم بهما معاً، فلا يحصل العلم بالفعليّة؛ لأن فعلية الحكم عبارة عن النتيجة الحاصلة من تطبيق كبرى الجعل الشرعي على موضوعه، و لتطبيقها على المثال المتقدم، نقول:
العلم بجعل الشارع وجوب الحجّ على المستطيع. «علم بالكبرى»
العلم بتحقق الاستطاعة خارجاً. «علم بالصغرى»
ينتج: العلم بفعليّة وجوب الحجّ، فيتنجّز ذلك الوجوب بسبب العلم بالفعليّة، و هذا هو القطع الطريقي.
أما القطع الموضوعي، فهو دخيل في الفعليّة؛ لأنّه بمثابة الصغرى لكبرى الجعل الشرعي الذي أخذ القطع في موضوعه، فالقطع بالخمرية- مثلًا- بالنسبة إلى جعل الشارع للحرمة على مقطوع الخمريّة، يمثل الصغرى في القياس، و لولاه لما أصبح الحكم فعلياً.