البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١١ - دور الاعتبار في تحديد مصب حق الطاعة
في عهدة المكلف، و قد يكون المتعلّق في أحدهما غير المتعلّق في الآخر، كما لو تعلّقت إرادة المولى بشيء معيّن و لكنّه جعل أو اعتبر في العهدة شيئاً آخراً يعلم المولى أنّه سوف يؤدّي إلى تحقيق ذلك المراد، و على كلا التقديرين فإنّ المطلوب من المكلّف امتثاله أو الإتيان به هو ما دخل في عهدته بواسطة الاعتبار، و هذا هو معنى ما يقال: من أنّ دور الاعتبار و وظيفته عبارة عن تحديد و تعيين مصب حق الطاعة للمولى [١].
[١] إن قلت: إذا تعلّقت إرادة المولى بشيء، فلما ذا لم يدخل نفس ما تعلّقت إرادته به في عهدة المكلّف بدلًا من أن يدخل مقدمته التي يعلم أنها توصل إليه، و بالتالي يكون مصب الطاعة و مركزها دائماً هو نفس المراد لا غير، و معه تنتفي الفائدة التي ذكرت للاعتبار؟
كان الجواب: إنّ مراد المولى سبحانه و تعالى، تارة يكون واضحاً و محدداً يفهمه و يشخصه كل من خوطب به، و تكون وسائله و طرقه الموصلة إليه محددة و واضحة أيضاً، و أخرى لا يكون كذلك، بل يكون بطبيعته ممّا يختلف الناس في فهمه و تحديده، و في تشخيص الوسائل و الطرق الموصلة إليه، و بالتالي ربّما تعددت تلك الطرق و الوسائل بعدد الناس، بحيث يرى كل منهم أنّ الطريق الفلاني هو الطريق الوحيد الموصل لذلك المراد دون غيره، الأمر الذي يؤدي إلى الفوضى و إلى الهرج و المرج. ففي الحالة الأولى، لا شيء يحول دون إدخال نفس المراد في عهدة المكلّف ما دام واضحاً، و ما دامت وسائله و طرقه المؤدية إليه واضحة و محددة أيضاً فلا حاجة إلى أن يتوسّل بشيء آخر يوصل إليه.
و أمّا في الحالة الثانية، فحيث أنّ الوسائل و الطرق الموصلة لذلك المراد لم يكن من السهل تحديدها و تشخيصها، بل ربّما لا يمكن تحديدها في بعض الأحيان، ففي مثل هذه الحالة، لا معنى لإدخال نفس المراد في العهدة كما هو واضح؛ إذ لن يتمكّن المكلّف من تحقيقه، فلا بدّ حينئذ من أن يدخل المولى في عهدة المكلّف الطريق أو الوسيلة التي يعلم بأنها توصل إلى مراده. و لتوضيح الفكرة أكثر لا بأس بأن نمثّل لكلٍّ من هاتين الحالتين:
أمّا بالنسبة للحالة الأولى، فلنفترض أنّ مراد المولى سبحانه و تعالى قد تعلّق بإكرام المؤمن بأي نحو من أنحاء الإكرام، فحيث أنّ الطرق المحققة للإكرام واضحة و محددة، كالزيارة، أو إعطاء المال، أو قضاء حاجة له، و غير ذلك ممّا يحقق الإكرام، فهنا يكتفي المولى بإدخال نفس مراده- و هو الإكرام بحسب الفرض- في عهدة المكلّف، من دون حاجة لأن يدخل في عهدته ما به يتحقق الإكرام، من قبيل الزيارة، أو إعطاء المال، أو نحو ذلك.
و أمّا بالنسبة للحالة الثانية، فلنفترض أن مراد المولى سبحانه و تعالى قد تعلّق بعروج المؤمن إلى الله، فحيث إنّ الوسائل و الطرق المحققة لهذا المراد غير واضحة لدى المكلّف، الأمر الذي لا يمكن معه إدخال نفس هذا المراد في عهدته، فلا بدّ من أن يدخل في عهدته شيئاً محدداً يعلم المولى أنّه سوف يوصله إلى مراده، و لنفترض أنّ ذلك الشيء الذي يعلم المولى أنّه سوف يوصل إلى تحقيق مراده، و الذي يمكن أن يفهمه المكلّف المخاطب به، هو الصلاة المخصوصة مثلًا، فحينئذ سوف يعتبر نفس الصلاة في عهدته و إن كان مراده النفسي قد تعلّق بغيرها، و لا يبعد أن تكون العبادات التي أمرنا الله سبحانه و تعالى بها من هذا القبيل، و إنها كلّها مقدّمات توصل إلى ذلك الكمال الذي خلقنا الله سبحانه و تعالى من أجله. و بهذا البيان تتّضح أهمية الغرض المهم الذي يقوم الاعتبار بدور التعبير عنه.