البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣١٢ - بيان المقصود من التبعية في المقام
المطابقي و الالتزامي، يقع الكلام في أنه إذا سقط المدلول المطابقي عن الحجّية، فهل يؤدي ذلك إلى سقوط المدلول الالتزامي أيضاً أو لا [١]؟
[١] و يترتب على هذا البحث ثمرات عديدة:
منها: أنّه لو جاءنا خبران، يدل أحدهما على وجوب شيء، و يدل الآخر على حرمته، فسوف يحصل التعارض بينهما- هنا- لا محالة، فلو قلنا: إنّ القاعدة- في مثل هذين المتعارضين- هي التساقط، بمعنى: عدم حجّية كل منهما، فحيث أن المدلول الالتزامي لكل من الدليلين هو عدم إباحة ذلك الشيء؛ لانّ الحكم بالإباحة منفي على كلا التقديرين- أي: سواء أ كان ذلك الشيء واجباً أم حراماً، و هذا هو المعبّر عنه بنفي الثالث، أي: نفي الحكم الثالث و هو الإباحة- فإنّ الدليل الدال على الوجوب لو كان حجّة، لكان حجّة في إثبات مدلوله المطابقي و هو الوجوب، و حجّة في إثبات مدلوله الالتزامي و هو عدم الإباحة، و كذلك الدليل الدال على الحرمة؛ فإنه لو كان حجّة، لكان كذلك في إثبات الحرمة و في إثبات عدم الإباحة. ففي مثل هذه الحالة يقال: بعد سقوط حجّيتهما بلحاظ المدلول المطابقي بناءً على القول بالتساقط، فهل يبقى كل منهما حجّة في نفي الإباحة، أو لا؟
فإن قلنا بتبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجّية، فلا يكون كل منهما حجّة في نفي الإباحة، و بذلك لن يبق لدينا دليل على عدم الإباحة، و بالتالي، يمكن الرجوع إلى الأصول العملية من قبيل أصالة الإباحة لإثبات الإباحة.
و إن قلنا بعدم التبعيّة، فيكون كل منهما حجّة في نفي الإباحة، و بالتالي، لا يمكن الرجوع إلى مثل أصالة الإباحة؛ لأنها فرع الشك في الإباحة، و المفروض وجود الدليل على عدمها؛ لأن الدليلين المتعارضين إنما سقطا بلحاظ المدلول المطابقي- أي: المؤدى- لكل منهما، و هما: الوجوب و الحرمة، لا بلحاظ المدلول الالتزامي لكل منهما و هو عدم الإباحة.
و منها: ما لو زاحمت عبادة واجباً آخر و كان أهم منها، كما لو زاحمت الصلاة واجباً آخر كإنقاذ الغريق و لم نقل بالترتب بينهما، فهنا لا إشكال في تقديم وجوب الإنقاذ و سقوط الأمر بالصلاة، وعليه، فلو افترضنا أن المكلف ترك الإنقاذ و صلّى، و افترضنا أيضاً أنه يكفي التقرّب بالملاك لتصحيح العبادة حتى مع سقوط الأمر، فهنا، إن قلنا بتبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية، فلا تقع تلك الصلاة صحيحة؛ لعدم الدليل على وجود الملاك؛ فإنه بعد فرض سقوط المدلول المطابقي عن الحجّية و هو الخطاب، سوف يسقط المدلول الالتزامي عن الحجّية و هو الملاك؛ لأن الملاك مدلول التزامي للخطاب.
و إن قلنا بعدم التبعيّة، فالصلاة تكون صحيحة؛ لأنها واجدة للملاك و لا دليل على سقوطه بمجرد سقوط الخطاب لأجل مزاحمته مع أمر آخر و هو الأمر بالإنقاذ.