البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٣٧ - مدى شمول أدلة الأصول المؤمِّنة لأطراف العلم الإجمالي
الترخيصي قد يكون بدرجة من الأهمية يستدعي حفظه جعل ترخيص ظاهري طريقي. و لكن،- في المقام- إذا افترضنا جريان الأصول المؤمِّنة في كلّ أطراف العلم الإجمالي، فهذا يعني افتراض أن الأغراض الترخيصية أهم عند المولى من الأغراض الإلزاميّة حتى في حالة العلم بالإلزام و وصوله إجمالًا، أو على أقل تقدير، يكون الغرض الترخيصي مساوياً للغرض الإلزامي؛ لأنه لو كان الغرض الإلزامي أهم من الغرض الترخيصي، لجعل المولى حكماً ظاهرياً طريقياً ضماناً لذلك الغرض الإلزامي كإيجاب الاحتياط، و على هذا، فشمول أدلّة الأصول المؤمِّنة لكلّ أطراف العلم الإجمالي، يستدعي افتراض أهمية الغرض الترخيصي على الغرض الإلزامي أو مساواته له على الأقل، و هذا و إن كان ممكناً ثبوتاً و أمراً معقولًا في نفسه، و لكنّه على
خلاف الارتكاز العقلائي؛ لأنّ الغالب في الأعراف العقلائيّة في حالة تزاحم غرضين عقلائيين أحدهما ترخيصي و الآخر إلزامي، عدم بلوغ الغرض الترخيصي هذه المرتبة من الأهمية التي توجب ترجيحه على الغرض الإلزامي، بل الغالب فيها ترجيح الأغراض الإلزاميّة على الأغراض الترخيصيّة، كما لو افترضنا أن أحد الأشخاص كان يعمل في دائرة رسميّة و هو ملزم بالحضور فيها يومياًّ، و تزاحم عنده في يوم من الأيام بين أن يذهب لزيارة صديق عزيز عليه و بين أن يذهب إلى تلك الدائرة التي يعمل فيها، فزيارة الصديق بحدّ نفسها غرض عقلائي و لكنّه من الأغراض الترخيصيّة، أي: أنّه غير ملزم بالذهاب في ذلك اليوم و في تلك الساعة، و لكن الغرض الآخر- و هو الذهاب إلى الدائرة- غرض إلزامي؛ فإنه إذا لم يذهب إلى الدائرة، فسوف يتعرّض للعقاب مثلًا، ففي هذه الحالة، نرى العقلاء- من خلال استقراء سيرتهم- يرجّحون الغرض الإلزامي على الغرض الترخيصي، و دليل الأصل المؤمّن و إن كان مطلقاً في نفسه، و لكن وجود مثل هذا الارتكاز العقلائي يشكل قرينة لبيّة متّصلة تقيّد إطلاق ذلك الخطاب [١]، و إذا لم يكن هناك إطلاق في أدلّة الأصول المؤمنة ليشمل أطراف
[١] اعلم أن الإطلاق ظهور عرفي يعتمد على ظهور حال المتكلم في أن ما لا يقوله و لا يذكره من القيود في كلامه فهو لا يريده، و بالتالي يثبت أن مراده هو المطلق لا المقيّد، و هذا و إن كان يفهم منه في أول وهلة أن المناط في الإطلاق هو عدم وجود المقيّد اللفظي، و لكن المراد منه أعم من ذلك، فهو يشمل حتى المقيّد اللبي من القرينة العقلية و العقلائية؛ فإن القرينة العقلية بحكم كونها حكماً عقلياً و القرينة العقلائية بحكم كونها ارتكازاً عقلائياً لا حاجة إلى تقييد الخطاب بها لفظياً؛ لأن مثل هذه القيود لكونها بتلك الدرجة من الوضوح، فالمتكلم في غنى عن ذكرها في الخطاب، و لأجل ذلك كانت بمثابة القرينة المتصلة في الكلام.