البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٦٣ - الجواب عن هذا الدليل
غيرها ممكن أن يستند إليه ذلك الغرض، و هذا يعني صدور الواحد بما هو واحد من الكثير بما هو كثير، و هو مستحيل. فلا بدَّ إذن من افتراض قضيّة كلّية تكون هي المؤثرة في ذلك الغرض الواحد، و يكون موضوع تلك القضيّة هو موضوع ذلك العلم، و بهذا نثبت وجود الموضوع لكل علم [١].
و توضيح ذلك:
قد عرفنا سابقاً- كما تقدّم في الدليل الأول- أن العلوم يمتاز بعضها عن البعض الآخر، و هذا الامتياز يكشف لا محالة عن وجود مائز بينها، فإن كان ذلك المائز هو الموضوع ثبت المطلوب و هو أن لكل علم موضوعاً؛ لكي يحصل التمايز على أساسه. و إن لم يكن التمايز بالموضوع، فلا بدّ أن يكون التمايز بشيء آخر كالغرض، على أساس أن لكلّ علم غرضاً يختلف عن الغرض من العلم الآخر، و بما أنّ الغرض من كل علم واحد، فلا بدّ من افتراض مؤثر واحد في ذلك الغرض، و إلّا لزم صدور الواحد- و هو الغرض- من الكثير، و ذلك مستحيل.
و حيث إن المؤثر و المحصل لهذا الغرض الواحد ما هو إلّا مسائل ذلك العلم، فإن قلنا بأن المسائل مع تكثرها و تعددها هي المؤثرة في ذلك الغرض الواحد، لزم صدور الواحد من الكثير بما هو كثير و هو مستحيل؛ فلا بدّ- إذن- من القول بأن هذه
[١] إثبات وحدة الموضوع عن طريق وحدة الغرض هو الذي يظهر من كلام صاحب الكفاية حيث قال في كفايته ج ١، ص ٢١: «إنّ موضوع كل علم هو نفس موضوعات مسائله عيناً و ما يتحد معها خارجاً، و إن كان يغايرها مفهوماً، تغاير الكلّي و مصاديقه، و الطبيعي و أفراده. و المسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتتة، جمعها اشتراكها في الداخل في الغرض الذي لأجله دوّن هذا العلم».
فقوله: «و المسائل عبارة عن جملة من قضايا ... الخ»، لا بدّ و أن ينتهي إلى جهة جامعة بين تلك القضايا موضوعاً و محمولًا، و الموضوع الجامع لموضوعات القضايا هو موضوع العلم، فهذه الجهة الجامعة و القضيّة الجامعة بين تلك القضايا هي المؤثرة في الغرض و المحصّلة له، و إلّا لو لم تكن هناك جهة جامعة و قضية واحدة، للزم صدور الواحد- و هو الغرض- من الكثير- و هي المسائل-، و هو باطل.
و هذا المعنى هو الذي استفاده المحقق الأصفهاني من كلمات صاحب الكفاية كما جاء ذلك في نهاية الدراية: ج ١، ص ٣٤.