البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٤٧ - خلاصة البحث عن الحكم الواقعي و الظاهري
تقول- مثلًا-: «حلّية أكل لحم الأرنب حكم ظاهري»، فهذا يعني أن الحكم- و هو الحلّية- قد جعل على أكل لحم الأرنب لا بعنوانه، و إنما بعنوان أنّه مشكوك الحرمة، كما لو فرض ورود الدليل الشرعي القائل: «كلما شككت في حلية شيء أو حرمته فهو لك حلال».
ثم أن ما تقدم من بحوث تتعلق بالحكم الشرعي، كان المقصود منها هو الحكم الواقعي، لكن، بقي علينا أن نتعرّف على شيء يتعلّق بالحكم الواقعي، و هو بيان دور الاعتبار الذي يشكل العنصر الثالث من عناصر الحكم في مرحلة الثبوت، حيث أن الحكم الشرعي في مرحلة الثبوت يشتمل على ثلاثة عناصر، و هي: الملاك و الإرادة و الاعتبار.
و قد تقدّم في الحلقة السابقة، أنّه لا دور للعنصر الثالث إلّا كونه وسيلة لتنظيم و صياغة الأحكام الشرعيّة في مرتبة سابقة على تبليغها و نشرها، و لكن الصحيح أن مهمّة العنصر الثالث من عناصر الحكم الذي يقوم الاعتبار بدور التعبير عنه، لا تقتصر على ذلك فحسب، بل له مهمّة أخرى أهم بكثير مما ذكرنا، و هي تحديد مركز حق الطاعة الثابت للمولى على المكلّف الذي يكون مداراً للامتثال و العصيان، و بيان ما هو الداخل في عهدة المكلّف؛ فإن المولى إذا تعلقت إرادته بشيء، فقد يدخل في عهدته نفس ذلك الشيء الذي أراده منه و يجعله مركزاً لحق الطاعة، و قد يدخل مقدّمة ذلك الشيء التي يعلم المولى أنها تؤدي إلى مراده في عهدة المكلّف دون نفس المراد، فيكون حق الطاعة منصباً على تلك المقدّمة ابتداءً، و الكاشف عن ذلك هو الاعتبار، فهو الذي يتم من خلاله تحديد مركز و مصب حق الطاعة للمولى، و هذا المصب الذي عيّنه المولى مركزاً لحق طاعته، قد يتحد مع مراده الأصلي و قد يتغاير بحيث يكون مراده الأصلي شيء و ما جعله مركزاً لحق الطاعة شيء آخر يعلم المولى بأنه يؤدي إلى مراده.
أما الأحكام الظاهرية، فقد وقع البحث في استحالة جعلها و إمكانه، و قد ذهب ابن قبة إلى أن جعل الحكم الظاهري مستحيل و برهن على ذلك بعدة براهين:
الأول: أنه يؤدي إلى اجتماع الضدين في حالة مخالفة الحكم الظاهري للواقعي،